Wednesday, February 6, 2019

الامارات تعرّي تعصبنا

عندما تنظر إلى الإمارات والصورة التي قدمتها في زيارة البابا فرنسيس إليها في أول زيارة لسيّد الفاتيكان إلى الخليج العربي، تشهّد الرقّي في احترام الآخر، الآخر الذي يحمل معتقداً مختلفاً وهوية مختلفة... تشهد الرقي في دولة إسلامية لم تقف عند حدود المعتقد . الديني بل تخطته إلى ما هو أعمق... إلى الانسانية. 
مشهد البابا مع شيخ الأزهر أبعد من الكليشيهات النمطية، مثل صورة الصليب والهلال والكنيسة والجامع؛ هو مشهد من لحم ودم نر فيه أكبر مرجعيتين دينيتين للمسيحيين والمسلمين معاً يقولان للعالم الذي يقود صراعاته باسم الدين، إن الدين هو طريق نختاره بيننا وبين الله، ولكن كبشر يمكن أن يكون بيننا قاسماً مشتركاً، بل قواسم مشتركة. 
كلبنانية، على قدر ما أفرح بهذا الوجه الحضاري للامارات، على قدر ما أحزن أكثر على بلدي، البلد الذي أصبح فيه الدين شمّاعة السياسيين لخدمة مصالحهم الطماعة... أحزن عندما أرى بلداًإسلامياً يحتفي بالبابا ويكرّمه كل هذا التكريم، وبلدي الذي تجمع قراه مختلف الطوائف في بقعة واحدة صغيرة، ويتداخل نسيجه الاجتماعي بكل أطيافه، غارق حتى الاختناق في أتون الطائفية... لا، في بلدي المشكلة ليست في الدين، المشكلة فينا نحن، نحن شعب عاطفي يسهل اقتياده، شعب يبحث عن جناح زعيم يزعم أنه الحامي... وقلة قليلة فيه تتطلع إلى وطن، وهكذا لن يبنى هذا الوطن.
أذكر عندما دخلت الجامعة، المكان التي يبدأ فيه الشباب بممارسة أولى نشاطهم السياسي، قال لي والدي جملة لا تزال عالقة في ذهني: "السياسيون في لبنان بيختلفوا وبيخلفونا وبيتفقوا وما بيخبرونا"... وهذا ما برهنته لي الأيام. نعم كل الأحزاب تبنى على أسس ومبادىء وأخلاقيات، يتماهى معها الشباب كل من موقعه، وهذا جيّد، ولكن للأسف العبرة ليست في الشعارات بل في الممارسات على أرض الواقع. أنهيت دراستي الجامعية وأخذتني تجارب الحياة وخبراتها إلى حقل بناء السلام وحلّ النزاعات، وهناك أدركت حجم الفجوة التي خلقتها السياسة بين الشباب اللبناني، الشباب الذي يقف على متاريس دفاعية للحزب الذي ينتمي اليه، وغالباً لا يتقبّل الآخرالمختلف عنه فقط في السياسة، فالهموم الحياتية تجمعهما، وبقوة. 
ومع الأحداث والتطورات كل مرّة يتلوّن اصطفاف الشباب بحسب تلوّن الاتفاقات أو الخلافات بين الأطراف السياسيين،وبالتالي فالمتحزبون، لأي حزب انتموا، لو مهما كانوا مثقفين ولكنهم في الواقع تابعون لشخص يقودهم، يتحدثون بمنطقه وأفكاره، تذوب شخصياتهم في شخصيه وفي رؤيته وتطلعاته... 
وهكذا يمكننا أن نرى التناقض، لو مهما كان هذا الحزب متقدماً بالفكر، ولكن مواقفه تكون مبنية على معطيات يقيّمها شخص الرئيس، والمناصرون المتحزبون يتبنون. هذا لا يعني أن كل السياسيين على خطأ بالمطلق، فالبعض يطرح معادلات منطقيةوتجد الصواب في ما يقوله لو مهما كان في الواقع متبايناً عنك. الا أن ما بات مزعجاً حقاً، هذه التبعية العمياء للزعماء. وهنا لا أتحدث عن عامة الناس المحكومين بلقمة عيشهم أو بعواطفهم، أتحدث عن النخبة والتي عندما تسمع أفرادها يتحدثون تعجب بثقافتهم ولكن يصدمك تعصبهم عندما يتعلق الأمر بالسياسة.ويصدمك أكثر أنهم مستعدون لنبذك كإنسان، لو مهما كنت تحاكي عقلهم فكرياً، فقط لأنك ترى السياسة من منظار مختلف؛ لا يتقبلون منك اسقاط الهالة القدسية التي يباركون فيها من يتبعون سياسياً. وفي هذه الحال، منطق المحاججة جاهز، أنظري إلى ذاك كم هو فاسد... نعم هو فاسد ولكن اذا كان كذلك فهذا لا يعني أن الضد يظهر حسنه الضد، نحن كشعب وكواعين يفترض أن نتطلع إلى حكم رشيد لبلد ينوء تحت كل أنواع التخبطات.. بلد تتزايد فيه حالات الاصابة بالسرطان بشكل مخيف، ويتفشى تعاطي المخدرات بين شبابه بشكل يدق ناقوس الخطر... وكل ذلك نتيجة للسياسات الفاسدة، السياسات التي تقاتل لمصالحها الشخصية على حساب صحة الناس وحياتهم، السياسيات التي تعبر بكل وقاحة على أرواح المواطنين لتسجّل انتصاراتها ومكاسبها.
هللنا للحكومة الجديدة بعد تسعة أشهر من التجاذبات والخلافات على الحصص، ربحونا جميلاً! حسناً، في الحكومة الجديدة شباب وتمثيل نسائي غير مسبوق وحماس للعمل يعطي جرعة تفاؤل، ولكن بمجرد أن نعود إلى كيف وصل هؤلاء الوزراء، ووفق أي معطيات ومحاصصات، ومن يتبعون ولمن يقولون "أمرك"، نكون أمام الأمر الواقع المتكرر، إن تغيّرت وجوههم ولكنهم في الحقيقةإفراز لنفس الطبقة السياسية التي حكمت البلد بالفساد والهدر والصفقات، وأوصلته إلى الحال المزري الذي هو عليه الآن... فكيف سنثق!
وهنا لا نسأل السياسيين، لأنهم قطعوا مرحلة الحياء وأخلاقيات الاعتراف بمسؤولياتهم بأشواط، نسأل النخبة كيف بعد كل ما فعله هؤلاء السياسيون في لبنان مازلتم تصدقوهم، تتبعوهم وتقاتلون الآخر لأجلهم؟ كيف يمكن أن نحلم بالخروج من هذه المآزق اذا كنا نفتقد لأبسط مقومات الثورة على الواقع... نفتقد للوعي وسلطة المحاسبة!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Sunday, January 20, 2019

قمة من تحت الردم

هل هو من حسن حظ لبنان أو سوء حظه أن قمة اقتصادية عربية تنموية تعقد فيه؟
سؤال محيّر فنحن ندرك أن أي حسن نستجديه في هذه الظروف الجهنمية؟
المشكلة ليست في القمة ولا في توقيت انعقادها، مشكلتنا بل أزمتنا هي في تصدّع بلد صغير، أصغر من أن يحتمل كل هذه التشققات الداخلية.
نعم كشفت القمة عن هشاشة بنية دولة تفوق هشاشة البنى التحتية لبلد عاجز، بلبلته عاصفة الطبيعة.
أغلب رؤساء الدول أحجموا عن الحضور، حسناً ما كان حضورهم سيغيّر أي شيء في المعادلة سوى الشكل،  كالصورة التذكارية للرؤساء، فما كنا ننتظر أن ينهض اقتصادنا من اجتماع عربي بروتوكولي، لن يبدّل أي شيء من الواقع، بل في الحقيقة ما هو سوى عبء مالي على بلد ينوء تحت عجز الديون.
أحجم الرؤساء عن الحضور لحسابات إقليمية، ولكن المضحك المبكي أن مسؤولين داخليين اعتذروا عن الحضور لحسابات "نكايات سياسية"!
حسناً، اذا النصاب غير مكتمل وإلى هذا الحد الداخل مهترىء، لما لم تلغ تلك القمة الباهضة الثمن؟ نعم، لأن انعقادها رغم الفشل هو لتسجيل النقاط السياسية ايضاً!
كل شيء في هذا البلد يسير بهذه الحسابات، حتى بات كملعب كرة القدم، نقطة تسجّل هنا ونقطة هناك، وجمهور متحزّب يهيّص هنا ويشتم هناك... وشعب بين الاثنين، بعض تابع هنا وآخر هناك وشريحة صغيرة تنأى بنفسها عن التبعية وتحاول أن تقاتل وحدَها بسلاح الوعي.
لنعود إلى القمة، أول غيثها مطالبة مسؤول سياسي بعودة سوريا إلى الجامعة العربية، مسؤول في فريق نكّل النظام السوري بشبابه حتى تورّم؛ نسي الماضي برمّته والآن يغازل هذا النظام ليمهّد طرقاً مستقبلية!
الكل يخطط لمستقبل وجوده، أما البلد فلا أحد سائل فيه ولا في شبابه الذين يزدادون بالآلاف على أبواب الطائرات المهاجرة.
ويخرج من رحم العاصفة وزراء يفترض أن يكونوا مسؤولين أمام الشعب ويقولوا "الحق على الدولة"! عفوا ألستم أنتم الدولة؟ عندما يكون هناك موضوع يتعلق بالوجود الطائفي والتوازنات الطائفية يستشرسون في الدفاع عن "حقوق" طوائفهم ويصبح لكل منهم سلطة قادرة أن تعطّل بلد ثمانية أشهر من دون حكومة... والحبل على الجرار! 
وللمفارقة، وليكتمل المشهد المأساوي، أرسل قريب لي يعيش في أميركا وثائقي باللغة الانكليزية، من سبعينيات القرن الماضي، يتغنى بلبنان وسحر جماله من شماله إلى جنوبه، فيلم من حقبة كانت فيها بيروت تضّج بالحياة والازدهار، بيروت التي كتب عنها محمد بن راشد آل مكتوم، في مذكراته: "حلم تردد في ذهني أن تكون دبي كبيروت يوما" ما".
جاء يوم دبي المنشود وباتت تنافس أهم العواصم العالمية، ونحن نصلّي أن يتردّد في ضمير هؤلاء السياسيين المحكمين الخناق على هذا البلد أن يرحموا بيروت ويعيدوها إلى ما كانت عليه في القرن الماضي!

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Friday, November 23, 2018

لأننا نحب هذا الوطن!

"كلنا للوطن للعلا للعلم"... هكذا يبدأ النشيد الوطني اللبناني، ولا تحتاج وقتاً لتعرف الموسيقى التي تُعزّف لهذه الكلمات، ولكن للوهلة الأولى قد تحتاج برهة لتستوعبها رنة تطالعك على الجانب الآخر عند اتصالك بأي رقم هاتف لبناني... هذه المبادرة من شركة الاتصالات MTC بمناسبة عيد الاستقلال جعلتني أقف قليلاً بيني وبين نفسي، أنا التي بت غاضبة على كل شيء في هذا البلد. 

عندما سمعت الموسيقى شعرت بعاطفة وطنية تتسلل إلى داخلي، وأعادتني بالذاكرة بضع سنوات إلى الوراء يوم كنت أعيش خارج لبنان، وقتها قال لي زميل أردني "غريبون أنتم اللبنانيون لو مهما تغربتم، دائماً تفكّرون بالعودة إلى بلدكم وبناء منازل لكم على أرضه". 

نعم، نحن كلبنانيين يُشهد لنا بأننا نحب هذا الوطن. رغم كل المساوىء ورغم أن كثر منّا اختاروا الغربة أو حتى الهجرة لأنهم فقدوا الأمل، وكثر على هذه الخطى؛ إلا أننا لو أينما ذهبنا يبقى في داخلنا ذلك الحنين وذلك التعلّق الفطري بهذه الأرض. ربينا على الحب لهذا البلد الصغير، وفي لا وعينا، نربّي أولادنا كما ربينا نحن. كنا أطفالاً نحتفل بفرح بذكرى الاستقلال واليوم أصبحنا كباراً نعيش نقمة على حالنا، ولكن عيوننا تهلّل للفرح في عيون أطفالنا وهم يحتفلون بهذه الذكرى، سواء من خلال البزات العسكرية الصغيرة التي يرتدونها أو بإنشادهم النشيد الوطني بعفوية براءتهم. 

نعم، نحن شعب عاطفي، ليس فقط كلبنانيين بل كشعب عربي بشكل عام. وهذه إحدى نقاط الضعف التي يبني عليها السياسيون استراتيجياتهم ليسيطروا علينا ويحكمونا رغم فشلهم، على خلاف الشعب الغربي الذي يتعاطى بمنطق العقل والحقوق اجمالاً؛ فمثلاً في دولة عظمى مثل أميركا ترفع مؤسسة إعلامية (CNN) دعوى على رئيس البلاد لما اعتبرته إساءة بحق أحد مراسليها، أما في لبنان فممكن أن تجد جيش إلكتروني من الشباب يدافعون عن سياسي ما بشراسة، علماً أنهم في قرارة أنفسهم قد يكونوا يعرفون أنه على خطأ، ولكن يدافعون عنه لأنهم يحبونه... لأنهم متعلّقون به عاطفياً! 

اذا كان التعلّق العاطفي بالزعماء هو النقطة السوداء التي أدت بنا إلى الهاوية الاقتصادية الاجتماعية والمعيشية التي نغرق بها، إلا أن التعلّق العاطفي بالوطن هو نقطة قوة لأنه يجعلنا نخلق الأمل من العدم ونعطي حافزاً لأنفسنا بأن نعمل ليكون غداً أفضل! 

في كل مناسبة وطنية، نكون في لبنان فريقان، فريق ينغمس عاطفياً بالذكرى حد التطرّف الذي ينسيه الواقع، كالنعامة التي تطمر رأسها في التراب وتقول أنا لا أرى شيئاً، وفريق آخر يتعاطى معها بتهكّم نابع من نقمة سوداوية يعيشها بتطرّف... 

وكلاهما ينتقد الآخر وأحياناً بقسوة جارحة! كلاهما على حق وكلاهما مخطىء... وهنا دور الميزان بين العقل والعاطفة. 

نعم نحن كشعب نحّب هذا الوطن أكثر بكثير من أولئك الذي عبروا فوق عواطف الناس ليصبحوا مؤتمنين على بلد، وأساؤوا لهذه الأمانة. نحن كشعب ليس لدينا سلطة لنغيّر مصير بلدنا، ولكن يمكننا بسلطتنا الصغيرة على يومياتنا أن نبدأ بالتغيير، كل من موقعه. 

حب الوطن ليس في الاحتفالات بالمناسبات الوطنية وإن كانت تدغدغ فينا مشاعر الوطنية؛ حب الوطن يكون بأن نبدأ بأنفسنا بالتغيير حيث نتمكّن، وكلّنا نستطيع أن نفعل شيئاً، لو مهما كان صغيراً مثل أن نفرز نفاياتنا في منازلنا... بالتراكم سنُحدث فرقاً. 

حب الوطن ليس في رفع العلم الذي تتوسطه الأرزة، حب الوطن يكون في زرع هذه الأرزة والحفاظ عليها وعلى المحميات والموارد الطبيعية من التلوّث. 

حب الوطن يبدأ من أصغر تفصيل نعيشه في يومياتنا... شخص واحد لا يستطيع أن يغيّر ولكن الجماعة يمكن أن تغيّر، وكثيراً. حُكم علينا بسياسيين يُمعنون بخراب هذا البلد بعد عَماهم بفساد أنساهم ماذا تعني الوطنية، ولكن لا شيء يبقى على حاله، وحتى يأتي التغيير الحقيقي علينا أن نبدأ بأنفسنا... لأننا نحّب هذا الوطن! 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Monday, November 12, 2018

بلد "أمرك نصرالله"

عندما يُقال لنا إن لبنان خاضع لسلطة حزب الله نعترض ونتململ،فمن المهين لنا كلبنانيين أن يكون مصير بلدنا محكوم بفكر ديني أحادي التوجّه، لديه أجندته الخاصة عسكرياً سياسياً وإقليمياً. 

على مدى الأشهر الماضية من محاولات تشكيل الحكومة، وعدا عن تمسّكه بوزارة الصحة، كان حزب الله محايداً والخطاب العلّني للسيد حسن نصرالله هادئاً، وكان التوتر والأخذ والرد محصوراً بالأقطاب السياسية الأساسية والمتنازعة أصلاً على الحصص والحقائب السيادية. 

ولكن النبرة التي خرج السيد حسن نصرالله يتحدّث بها في "يوم الشهيد"، تنبىء بأن منطق القوة الذي ينطلق منه يهمّش فيه أي سلطة أخرى غير سلطته وسلطة حزبه، بما فيها رئاسة الجمهورية. خرج ليقول "لو بدي عطّل تشكيل الحكومة لدّي الجرأة لأقول ذلك وأستطيع"، وفتح نيرانه على بعض الأحزاب السياسية الأساسية، رامياً كرة الحلّ في ملعب السنّة المستقلين. السنة المستقلون الذين لا نذكر أنه سبق وعلّق تشكيل الحكومة عند حصّة لهم في أي من الوزارات السابقة، ولا نعرف من أي خلفية خرج حزب الله ليطالب بحصّة لهم الآن، ويضع رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري تحت الضغط، فحلّ العقدة هذه المرّة مرتبط بتنازل الحريري شخصياً. 

اذا عدنا بضعة أشهر إلى الوراء، تحديداً إلى النتائج التي خرجت بها "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" والتي كانت تحقّق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وكلّفت الخزينة اللبنانية، العاجزة أصلاً، ملايين الدولارات... اذا عدّنا إلى تعاطي الحريري الإبن مع نتائجها التي تدين حزب الله، كان مستسلماً أكثر من اللازم، وأي مراقب سيعي أن ذلك نابع من خوف ما،ولتوخي عواقب ردود أفعال يعرف سلفاً أنها ستكون وخيمة على البلد. 

نحن كلبنانيين لن يتغيّر علينا شيئاً بين حكومة تصريف أعمال وحكومة جديدة، فالهدر والفساد والصفقات المشبوهة ستبقى هي هي فقط سيتبدّل اللاعبون في كل وزارة، ولكن خطاب السيد نصرالله وضعنا تحت الأمر الواقع وبالفم الملآن، نعم هو من يتحكّم بالبلد ومن منطق سلطة القوة، قوة السلاح بطبيعة الحال. فهذا الحزب الذي لم يعد خافياً على أحد قوته العسكرية والميدانية والتي تفوق القوة العسكرية للدولة اللبنانية، وجّه في 7 أيار 2008 رسالة إلى أي مسؤول تسوّل له نفسه أن يعترض مشاريعه بأن الرد سيكون عنيفاً على شاكلة اجتياح بيروت وترعيّب أهلها. والرسالة وصلت بالعنوان العريض، فمن رفع السقف في الماضي يتحدث الآن بمرونة وبتواضع أكثر من اللازم، والثقل المسيحي أصلاً عقّد حلفاً مع حزب الله، بغض النظر إن كان هذا الحلف يتعدّى المصالح السياسية للطرفين ويلتقي على أي من المبادئ؛فعلى سبيل المثال لا الحصر، من كان شبابه يضربون بالعصي ويُسجنون بسبب النظام السوري، من البديهي أنه لن يكون يصفّق لهذا النظام عن مبدىء وقناعة. أما الرئيس المكلّف فهو أصلاً وضع نفسه بموقف الضعف عندما قرّر التعالي على الجراح والعفو عن الذين أظهرت المحكمة الدولية تورطهم في اغتيال والده، ونتحدث هنا عن كوادر حزب الله، وذلك بحسب كلامه لتغليب مصلحة البلد. 

اذا نحن الآن أمام مأزق أكبر بكثير من تشكيل حكومة شدّ حبال ومحاصصة بين أطراف سياسية تتقاتل بجشع من يأخذ الحصة الأكبر، نحن أمام أمر عسكري يفرضه حزب الله، إما تسير الأمور مثل ما أريد أنا أو الفوضى... فوضى في بلد ما عدنا نستطيع أن نقول إن أي شيء فيه يسير على ما يرام، بلد على حافة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، بلّد يصّح أن نقول إنه موبوء بيئياً وغذائياً وصحياً. وهكذا قد يكون في العلن، البيئة الحاضنة لحزب الله هي التي تردد "لبيك يا نصرالله"، ولكن في الواقع بلد بأكمله يردّد خاضعاً "أمرك نصرالله"!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Monday, September 24, 2018

أطفال سوريا.. عمّال الملاهي

"عمري 10 سنين وأنا بشتغل بالحمامات هونيك بس أوقات بجي بساعدهم هون"... هكذا أجابني الطفل السوري الذي كان يشغّل إحدى الألعاب في مدينة الملاهي... استوقفني جداً صغر حجمه،وضايقني كيف أنه بهذا العمر الصغير يعمل في المكان الذي يقصده الأطفال ليرفهوا عن أنفسهم.. لم أستطع مقاومة الإلحاح في داخلي للتحدث اليه.
مع أنه لم يتسنى لي التحدث إليه مطولاً، ولكن كان مهماً بالنسبة لي أن أسأله اذا كان يتعلّم فأجاب بالايجاب، وجوابه أراحني... لاحظت بعض العدائية في تعاطيه مع الأطفال الذين يركبون لعبة فناجين الشاي التي يشغّلها، كنت أود أن أسأله عن شعوره وهو يرى الأطفال يتناوبون على الألعاب التي يشغّلها هو ويطفؤها هو... كنت أوّد أن أسأله هل هو سعيد، بماذا يحلُم، كيف يرى الغد!
لكنه ذهب قبل أن يتسنى لي أن أسأله حتى عن اسمه، وما هي الا لحظات حتى جاء طفل أكبر منه بقليل، لا أدري ما الذي جعلني أتكهّن أنه أخاه، وكان تكهني صائباً... سألته عن عمره،واذا به يكبر أخيه بثلاث سنوات. حاولت أن أفهم منه لماذا يعمل،واذا كان ذلك لأن والده غير قادر على إعالتهم، أعطاني جواباً مبهماً بأنه يحّب أن يعمل في الصيف. أردت التأكد اذا كان يتعلّم فجاء جوابه مفعماً بالفرح وبصوت أعلى، نعم تسجلت في المدرسة.
الأسماء ليست سوى علامة ولكن لا أدري لما بالفطرة دائماً يكون عندنا الفضول لمعرفة اسم الشخص الذي نتحدث اليه، وهذه المرة سألت مبكراً عن اسمه، جاء الجواب محمد. وأخاك؟ فريد. أخبرني محمد أنهم من إدلب، وكان مبتسماً وهو يخبرني. وعندما سألته عن حال إدلب، وإن كانت الحرب لا تزال دائرة فيها، هز رأسه والابتسامة لا تفارق ثغره، نعم.
استأذنته "فيني صورك"؟ صمت ولم يجب... توقعت أن جوابه يعني النفي، فسألته مره أخرى، فقال "على عيني"... وقف جامداً وهو ينظر إلى عدسة هاتفي، وبعد أن التقطت صورتين، قلت له يبدو إنك لست سعيداً، فابتسم للكاميرا لألتقط له صورة أفضل! بحثت عن فريد لألتقط له صورة أيضاً، ولكني لمحته من بعيد قرب الحمّامات حيث يداوم، وعاد واختفى عن ناظري قبل أن أصل إليه!
قصتي مع فريد انتهت هنا. خرجت من مدينة الملاهي وأنا أسأل نفسي اذا كانت معاناة هؤلاء الأطفال تقتصر فقط على هذا العذاب المعنوي، أن يعملوا حيث يفترض أن يلهوا.. أن يروا الفرح في عيون الأطفال والشقاء بارز في عيونهم... تساءلت أيضاً عن كم المشاكل النفسية التي ستربى معهم وترافقهم حتى يصبحوا رجالاً... هل سينتبه أحد لها؟ وهل سيساعدهم أحد على تخطيها؟
في كل دول العالم، الأطفال هم على سلّم الأولويات، إلا في بلداننا العربية... الكبار يخوضون الحروب والأطفال هم أكثر من يدفعون الثمن!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Wednesday, September 12, 2018

البيئة لا تحتمل كيديات... البيئة حياة!


"البيئة ترف"... كثيراً ما كنت أسمع هذه العبارة أول عهدي مع الصحافة البيئية، تلك الصحافة التي كان الناس يعدّونها للمترفين فقط، وشاءت الظروف أن أبدأ مشواري المهني بها
خلال ثماني سنوات من الخبرة مع الصحافة البيئية، بين المطبوع والمرئي والمسموع، كانت لي الفرصة أن أعمل عن كثب مع أولئك "المترفين" الذي يحبون البيئة ويدافعون عنها. تعلمت الكثير من المختصين منهم، وأدركت كم الوسائل الموجودة أمام السلطة لحلّ الكثير من المشكلات المتأزمة، ولكن لم يؤخذ بأي منها
كان يستفزني جداً التعاطي مع وزارة البيئة على أنها وزارة هامشية تعطى كجائزة ترضية لأحد الأطراف السياسية. والمستفز أكثر أنه في كل الوزارات التي تعاقبت، كان الوزير أبعد ما يكون عن فهم أي شيء يتعلق بالبيئة، علماً أنه علمٌ يحتاج إلى تخصّص أو بأقل تقدير إلى إلمام.
ومع الوقت عاد علينا إهمال البيئة في لبنان بالتلوث والأمراض... عاد بالموت، وما زالوا يعتبرون البيئة ترف، مجرّد رحلة تمويه عن النفس في الطبيعة، للمترفين!... لا ليست كذلك، البيئة هي حياتنا!
آخر الغيث في التعاطي السياسي مع البيئة، قرار وزير البيئة الحالي بإقالة أحد الموظفين الأكفاء من منصب حقق فيه الكثير. نعم وزير البيئة الذي غرقنا بنفاياتنا في عهده أخذ قراراً، بخلفية الكيدية السياسية بإقالة موظف شهدت شخصياً على كفاءته المهنية! في الوقت الذي معظم السياسيين، كل من موقعه، يدمّر بيئة لبنان وصحة اللبنانيين وحياتهم، هذا الموظف عمل بجهد وساهم بنجاحات مهمّة على صعيد المحميات والسياحة البيئية بلبنان حتى وصلت الأخيرة إلى العالمية، وهكذا لكيدية سياسية بين طرفين متقاتلين، يُقال من منصبه! لم يفكّر أحد بكفاءته؟
هذا القرار أعاد إلى ذاكرتي حادثتين حصلتنا معي أثناء عملي، إحداهما مع وزير طاقة أسبق كان على خلاف سياسي مع المحطة التي كنت أعمل بها، والثانية مع مقربين من التيارالسياسي التابع للمحطة.
الحادثة الأولى كانت في إحدى المؤتمرات الصحافية لوزير الطاقة آنذاك، وكان يتحدث فيها عن عنتريات "واهية" لحلّ أزمة الكهرباء. وقتها، وبعد انتهاء المؤتمر الصحفي، اقتربت من الوزير لأساله لمّا لا يُستخدم غاز الميثان المنبعث من مطمر الناعمة في توليد الطاقة، وهكذا نساهم في حلّ المشكلتين المتأزمتين، النفايات والكهرباء.. إلا أنه رفض التحدّث إلى الكاميرا، ولنبقى على تعبير لم يكن لطيفاً في الرفض! وقتها انزعج زميلي، مهندس الصوت، وقال له بصوت عال "زعجك اللوغو".. أي لوغو المحطة، فلم يعلّق... انتهت الحدوثة هنا، أما مشكلة النفايات والكهرباء فلا تزال فصولها السوداء تتوالى!
الحادثة الثانية على المقلب السياسي الآخر. بعد شكاوى عدة من أبناء بلدة الناعمة والقرى المحيطة بها قررت أن أعمل على انتاج حلقة تلفزيونية عن مطمر الناعمة، ولأن المسؤولين عن المطمر كانوا مقربين من المحطة التي أعمل بها سُمح لنا أن ندخل بمعداتناوالتصوير في الموقع، علماً أن ذلك لم يكن مرحباً به لوسائل الاعلام. وقتها طلبت من خبير في الصحة والسلامة البيئية منالجامعة الأميركية في بيروت أن يرافقنا، وبعد تصوير الموقع وما يحصل بداخله، أجريت مقابلة مع الخبير، وحدثني عن كم الملوّثات والضرر الناتج عن المطمر... أذكر وقتها كيف دلّني إلى انبعاثات غاز الميثان الناتجة عن تخمّر النفايات، ومع أنها يمكن أن تكون نعمة كهربائية، ولكن في حالة المطمر كانت خطر داهم لأنها كانت تطلق في الهواء ولم يكن يُعرف متى يمكن أن تنفجر.
ولإعطاء الرأي والرأي الآخر، طلبت مقابلة من إحدى الدوائر الرسمية المسؤولة عن المطمر، وخلال المقابلة صرت أشرح للمهندس المسؤول عما رأيناه وما قاله الخبير... أذكر وقتها قال لي غمزاً "نحن على نفس الموجة" وكان يقصد أن كلانا يعمل في مؤسسة تابعة لنفس التيار السياسي، فأجبته "ذلك لا يهمني، ما يهمني حقاً هو حياة الناس المهدّدة بالخطر"... ذلك كان كفيلاً بأن تبلّغني الإدارة، بعد اتصالات وردتها، بوقف عرض الحلقة قبل بضع ساعات من موعد بثّها!
سنوات مرّت على هاتين الحادثتين وعلى تركي العمل في الصحافة البيئية، ولكن اليوم أشعر بنفس الضيق الذي شعرت به وقتها، لم يسأل أحد من المسؤولين عن صحة الناس وسلامتهم، وما زلنا على هذا الحال بل وأكثر، أصبحنا نتخبط في واقع الكيدية السياسية
نعم السياسيون في لبنان مصرّون على أخذنا الى الحضيض، بمحاصصاتهم وصفقاتهم المشبوهة، واذا صودف وجود موظف كفوء يُقال من منصبه تنفيساً للكيدية السياسية... نحن كمواطنين لا يهمنا لمن ينتمي هذا أو ذلك، ما يهمنا أن يكون لدى أولئك المتحكمين بالبلد بعض من الانتماء للوطن!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه
https://elaph.com/Web/Opinion/2018/09/1219217.html


Thursday, August 30, 2018

تطهير الفساد.. يبدأ من الأعلى!


"إنما الأمم الأخلاق ما بقيت، فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"... كم ينطبق هذا القول لأحمد شوقي على واقعنا اللبناني، الذي يسير بنا إلى الحضيض الأخلاقي والاجتماعي وحتى الإنساني. انتشر مؤخراً خبر توقيف مدير مكتب حماية الآداب بتهمة الاتجار بالبشر. وكان سبقه قبل بضعة أشهر توقيف مديرة مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية بتهمة فبركة ملف أمني على خلفية "ثأر" شخصي. 
لما وصلنا إلى هذا الدرك؟ لأن الفساد مستشري في الطبقة الحاكمة. لو كان رأس الهرم نزيهاً لخاف من هم في درجات أقل منه من العقاب، فبأي عين سيحاسب المذنب؟ ذلك الفساد، الذي بات على عينك يا تاجر، في السلطة الحاكمة يشجّع بقوة القيادات على مستوى أدنى بالتجرأ حتى على المس بمقدسات وظيفتهم وهو ما أدى إلى انتشار ثقافة الفساد كأمر واقع... 
حتى على المستوى الشعبي الاجتماعي، بات هناك تعريفات ملطّفة للنصاب مثلاً: "شاطر عرف يضبط حالو"! 
ما يحصل مؤخراً في لبنان أعاد إلى ذاكرتي تجربتين عايشتهمامنذ سنوات. الأولى مع شركة عائلية كانت رابحة جداً على زمن إدارة الأب قبل أن يتقدم في السن، ولكن بعد تقاعده بدأ أبناؤه بالتناوب على إدارة هذه الشركة وتشغيل الأقسام فيها، وهكذا بدأت بالتراجع حتى وصلت إلى حافة الإفلاس... وهنا بدأت الفضائح! كل إبن من الأبناء كان يعتمد وسيلة للسرقة من الشركة، من شركته بحسب المنطق... في هكذا حال قد يكون عادياً أن يسرق المدير، فلا أحد يعلوه مركزاً ليكشفه أو يحاسبه، ولكن المفارقة كانت في ما كان يفعله إخوته الذي يشغلون مناصب أقل سلطة، بحيث روى العمال كيف كانوا مثلاً يسرقون المازوت من مولدات الكهرباء التابعة للشركة، وكانوا يأذنون لهولاء العمال بسرقة ما يريدون، وما كان يتبقى عن حاجاتهم كانوا يبيعونه! فلنتخيل المشهد، شخص شريك في مؤسسة يسرق نفسه وليغطي على سرقته يشجّع الشهود على السرقة! أمر غريب حقاً، ولكن ذلك هو حالنا في ما اصطلح على تسميته "الدولة اللبنانية"، فمن سيحاسب اذا كان رأس الهرم، أي السلطة، فاسدة على مقولة "حاميها حراميها". 
الواقعة الثانية التي استعادتها ذاكرتي ما رواه لي أحد الزملاء عن فتاة كانت تعمل في مكتب قريب من عملنا في ذلك الوقت، وكان واضحاً عليها أنها متورطة بأشياء مشبوهة تبدأ بالسرقة وقد لا تكون تنتهي بالدعارة. وبحسب الحادثة التي رواها لي زميلي بأن تلك الفتاة ضبطت بالجرم المشهود، دعارة وتعاطي مخدرات، الا أنها لم تبت حتى في الحجز، اتصلت بمسؤول أمني رفيع المستوى وخرجت! نعم هكذا تسير الأمور في بلدي! في بلدي، تزداد حالات السرطان بمعدل ينذر بالخطر، بحسب تصريحات وزير الصحة السابق، وعلى مقلب السلطة تُعقد صفقات مشبوهة بمليارات الدولارات لشراء "محارق للنفايات" من دون أي دراسات لتقييم الأثر البيئي لهذه المحارق. علماً أن الكثير من الدراسات العلمية تؤكد على الارتباط بين انبعاثات محارق النفايات وتفشي السرطان. 
هذا غيض من فيض في جشع السلطة والمال في بلدي حيث الغني يزداد غنى والفقير يزداد فقراً! 
يقول "لي كوان يو "تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى إلى الأسفل"، وذلك يختصر الحلّ لبؤرة الفساد التي يتخبط فيها لبنان، لا بد للتطهير أن يبدأ من أعلى الدرج! أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه