Tuesday, July 2, 2019

دماء مجانية على درب الزعامات

كم كنّا أغبياء حين ظننا أن الإنهيار الاقتصادي هو أقصى ما أوصلنا إليه فساد الطبقة الحاكمة، فعلى ما يبدو الرعونة والعنجهية السياسية تذهب بِنَا أبعد من ذلك بكثير... تأخذنا إلى هاوية لا ندري إن كانت تلك الطبقة نفسها تُدركها أو لا... يتجلى ذلك بالأنا المنتفخة التي تلبس رداء محاربة الطقم القديم الفاسد بكوة نار أخطر من الفساد، كوة من جراح لم تلتئم، نبش قبور الحرب الأهلية لا ليعالجوا جراح هذه الحرب بل ليستغلوها إرضاء لجوعهم المرضي للمال والسلطة.
لنقرأ الأحداث بتروٍ ومنطق... استفزازات سياسية ورد عليها في الشارع خلّف قتلى وجرحى شباب.. ما حدث جاء كرد فعل عنيف،وهو ليس وليد لحظته بل هو نتاج تراكمات من الاستفزاز والتحريض الطائفي... 
ما حدث يثير القلق وما كان يفترض أن يحدث البتة ولكن بات واضحاً أن الاحتقان وصل إلى الذروة.
اذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء نجد أن الخطاب الطائفي بدأ معزوفته الطرف الطائفي الفائر برعونة على أبواب الانتخابات النيابية السنة الفائتة؛ وقتها استفاد منه خصمه أيضاً فالشعب اللبناني كما العربي عاطفي، والبشر بطبيعتهم يبحثون دوماً عن ملاذ أمان، فجاء الخطاب الطائفي ليضرب على الوترين معاً، ويخدم العدو والصديق. ويبدو أن نتاج الخطاب الطائفي راق للأطراف السياسية اذ حقق الغاية وخدم مصالحها بشكل كبير، فأصبح ورقتها الرابحة في كل معركة مع الخصم. 
المنطق يقول عندما يتحدث أي طرف بمنطلق طائفي متعصِّب، يفترض به أن يتوقع أن يقابل بالرفض من الطرف الآخر، أن يتوقع التعصّب تجاهه. يفترض أن يكون واعياً لذلك ولعواقبه ولا يلعب دور الضحية الطوباوي. ما الغاية من كل هذه الصولات والجولات على مناطق لبنانية لا تستسغ بغالبيتها خطاب الوزير العتيد؟ بما تخدم لبنان والشعب اللبناني؟ إلا اذا كان القصد فعلاً الاستفزاز والرقص على جثث الضحايا، كما حصل عملياً!
واضح جداً من يمارس الاستفزارت، ويمكن لأي مراقب أن يلاحظأن أطراف هذا التحالف السياسي يجمعهم حقد دفين نابع من غبن وجودي ضمن الطائفة الواحدة، ومن غباء سياسي غير قادر على حساب عواقب الأمور، مثل الطفل الذي يرى لعبة بعيدة ويهرع باتجاهها غير واع على ماذا يدوس في طريقه. علماً أن الأطفال لا يؤذون بقصد الأذى، بعكس ما هو حاصل مع رعناء السياسة في لبنان.
واذا توقفنا قليلاً عند الأحداث التي حصلت وتحصل مؤخراً، نجد أن الأطراف التي اتحدت تحتمي بعباءة حزب الله وتتصرفبمباركة من هذا الحزب؛ الحزب الذي غالباً ما ينأى بنفسه عن الأمور الداخلية، ولكن للمفارقة بتنا نراه حاضراً بقوة بعد كل حدث بطابع فتنوي، لا للصلح بل لصب الزيت على النار.
هذا على الأرض أما على المنابر السياسية فغاب القتلى وحضر استغلال الحدث إلى أقصى الحدود، لدرجة الترويج لاغتيال وزير في الحكومة، والاعلام لعب دوراً في تسويق ذلك، علماً أن لا إثباتات حسية على ذلك حتى الساعة.
لم ينس الناس بعد صورة الوزير السابق وئام وهاب رافعاً يديه مع حلفائه في حزب الله في اشارة للنصر، والضحكة تعلو محياهمفي عزاء مرافق وهاب الذي وقع قتيلاً في المعمعة إياها مع الجهاز الأمني. يومها صوّر الحادثة على أنها ثأر شخصي ضده،وأظهرت التحقيقات لاحقاً أن المغدور قُتل برصاص رفاقه، أي رجال وهّاب نفسه. ويبدو أن الاسطوانة تتكرر مرة جديدة. 
اذا الهدف من بدايته ليس بريئاً، أما أدوات تحقيق الهدف فهي الأخرى غير أخلاقية لأنها تقوم على الاستفزاز والتحريض واللعب بجراح الناس، والنتائج تبدو واضحة، دماء أبرياء تضرّج كل يوم على مذبح الطائفية.
وهكذا وبدل أن تكون الأطراف السياسية تبذل جهدها لتخرج البلد من الانهيار الاقتصادي الذي خلفته بتسيبها، بات شغلها الشاغل إلهاء الناس عبر اثارة النعرات والفتن الداخلية.
اذا هي لم تجتمع لطي ملف مؤلم كما تدّعي، هي في الحقيقة تعيش عقد نقص واضحة تجاه الأطراف التي تتحداها، تفعل ما تفعله لإثبات وجودها والمنافسة على زعامات الطوائف. وحزب الله يبارك، لأنه عملياً المستفيد الأول من تخبط الطوائف ببعضها البعض. بهذه الطريقة يبني سياجاً لمشروعه دون الحاجة إلى توجيه سلاحه مباشرة إلى الشارع كما فعل في ٧ أيار المشؤوم، والذي يتفاخر به كيوم مجيد.
السلم الأهلي لا يمر عبر الاستفزازات، خصوصاً أن من كانوا معنيين بتلك الحرب المشؤومة طووا صفحتها. الكل أخطأ والكل تأذى من تلك الحرب، ففي الحروب ليس هناك رابحون، الكل خاسر؛ ومن يقلّب بدفاتر الماضي اليوم لم يكن جزءا ًمن تلك الحرب ليصوّر نفسه على أنه أُم الصبي. ومهلاً هؤلاء الحلفاء الذين يحاول الاستفزاز من خلالهم وبعدها حمّل شماعة الجراح، ألا ينتمون إلى الطائفة التي يخاف منها؟ كيف لا يخاف منهم؟
كلها لعبة سياسية قذرة، كل طرف فيها يبحث عن مكاسبه الشخصية فقط، ولو عبر طريق معبّد بدم الأبرياء.
هذا لا يعني أن الأطراف المقابلة بريئة، هي الأخرى تتحمّل المسؤولية، فشد الحبال يتطلب طرفين، وفي الحالة اللبنانية كل طرف يشّد الحبل باتجاهه ليكسب الجولة. المعادلة ليست معادلة تحصيل حقوق كما يدّعون، هي في الحقيقة إثبات حضور سياسي لا أكثر ولا أقل.
ما هي القضية التي يموت لأجلها الشباب؟ لا قضية! هي مسألة "تكبير راس" بين أطراف سياسية يحاول كل منها فرض نفسه على أنه الأقوى ليحصد أكثر في الغنيمة والهيمنة السياسية. هي ببساطة حرب "أنا" سياسية على أرض شعبيه هشّة، هشة بالتبعية العمياء والانجرار العاطفي خلف الزعيم، ولو على جثامين شباب ذنبهم الأول أنهم ولدوا في بلد مركّب على الطائفية، بلد لا يُراعى فيه أبسط الحقوق الانسانية في أن يعيش المرء بكرامة دون أن يُذل لهذا الزعيم أو ذاك ليعيش... بلد يستنزفهم تارة بالتيئيس وتارة أخرى بالدم!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Thursday, May 2, 2019

الثورة تولد من رحم الأحزان!

"نسعى لوظيفة دولة، فموظفو الدولة هم أكثر الناس استقراراً وأماناً مالياً في هذا البلد"... هذا كان حلم الكثير من اللبنانيين الذين يبحثون عن الأمان المعيشي في بلد يفتقد لأدنى مقومات الأمان... هذا كان طموح شباب يتخرجون من الجامعات لأنه حسب المفهوم الاجتماعي "موظف الدولة" هو أكثر الأشخاص المحصّنين بالاستقرار المادي. 
إلا أن السياسيين في بلدي قرروا حتى تحطيم هذا الحلم المحدود الأفق، تحت ذريعة التقشف لسد عجز مديونية الدولة؛ دولة أفلسوها بتسيّبهم وبدل أن يعالجوا أسباب العجز، والذي يبدأ بصفقاتهم بالمليارات ولا ينتهي بالتهرب الضريبي والرواتب الخيالية لبعض أتباعهم... يبحثون عن كبش فداء، ومن غير هذا الشعب الفقير نفدي به الوطن! 
نغضب، نلعن، نثور وأقصى ما يمكننا فعله كتابة تغريدة تعبّر عن غضبنا، وإذا أثقل أحدنا العيار على الساسة ومسّهم كلامه قد يدّعون عليه بجرم القدح والذم ويستدعونه للتحقيق... نعم نحن يحقّق معنا على تغريدة وهم لا يحقق معهم على بلد سرقوه بجوعهم المرضي للمال والسلطة!
بعضنا نزل وينزل إلى الشارع، ولكن في الحقيقة زواريب السياسة تفرقنا أكثر من ما يجمعنا شارع وجعنا على يومياتنا التي حولها السياسيون إلى مقيتة، مقيتة في بلد أصبح جلّ هموم المواطن فيه أن يحمي لقمة عيشه ليبقى على قيد الحياة. 
ألا يحق لنا نحن الشعب، الذي ينام ويستفيق على فضائح سرقات السياسيين، أن ندّعي عليهم لأنهم نهبوا مقدرات هذا البلد على مدى سنوات وسنوات؟ ألا يحق لنا أن نقاضيهم لأنهم بدل أن يتحملوا مسؤولياتهم، عندما جفّ المنبع صاروا يولولون "سينهار الاقتصاد"، وضعوا حصناً منيعاً على مداخيلهم ومخصصاتهم وترفهم على حساب الخزينة، ورفعوا شعار مكافحة الفساد على الشعب... لا يخجلون حتى! 
نعم من الشعب، هناك من يسرق الكهرباء، كما وصفت الوزيرة العتيدة، وهناك من يتهرّب من الضرائب ويخالف ويرشي ليحصل على خدماته بسرعة، وأحياناً بطرق غير قانونية؛ ولكن الفضائح كشفت أن بعض المسؤولين أبرموا صفقات بالمليارات على ظهر الكهرباء وغيرها، وأيضاً هناك مسؤولين يخالفون ليس فقط القوانين بل الأعراف الأخلاقية برمتها وأوصلونا إلى الحال الاقتصادي المتردي الذي نتخبط فيه. ومع أن الفقر قد يكون الدافع في الكثير من مخالفات الشعب، إلا أن هذا الشعب يُحاسب أكثر من المسؤول المتخم بجشع المال والسلطة!
خرج وزير المال يطالعنا بفضائح أبناء السلطة، عرض لائحة أرقام تظهر الهدر والسرقات في القطاع العام، خبايا لم نكن نعرفها، ومن المؤكد هناك خبايا أكثر. حدّد بالأرقام والمواقع هدر بالميارات: مسؤولون يقبضون رواتب عدة، موظفون يتقاضون رواتب خيالية وتحفيزات تصل إلى الخمسين والستين مليون ليرة (أي ما يعادل 40 ألف دولار أميركي) شهرياً، قطاعات متوقفة منذ زمن ولكن عداد الرواتب فيها لا يزال شغالاً لموظفين وهم في منازلهم، والسخرية أنه بالأمس القريب أُعلن عن توجّه لرفع هذه الرواتب... وغيرها وغيرها من المحسوبيات والزبائنيات السياسية التي تخدم السياسيين ومصالحهم الانتخابية!
طرح وزير المال جملة قرارات لمعالجة مزاريب الهدر تلك، والمفارقة أن أي من تلك القرارات لم يقترب من مخصصات أبناء السلطة، مع العلم أنه في رد على سؤال أحد الحاضرين عن المسؤول عمّا وصلنا إليه قال: لا أحد فوق الغربال، كلنا مسؤولون، كل شخص كان في الحكم مسؤول. 
هذا اعتراف صريح وواضح، ولكن إلى ماذا أفضى؟ لا شيء؟ لم نسمع أي تحرّك لأي جهة رقابية لتحاسب! ما سمعناه قرارات تطال الناس الذين استضعفوهم وما زالوا، علماً أن القاصي والداني بات يعرف أن رائحة الفساد تفوح بالدرجة الأولى من الطبقة السياسية الحاكمة؛ طبقة لا تستحي وبكل وقاحة ترفع شعار مكافحة الفساد. 
لا يجرؤ أي مواطن أن يكون فاسداً إن كان يعرف أنه سيحاسب حقاً. منذ مدة، ليست ببعيدة، صرّح فنان لبناني كان يعيش في كندا أن العقاب الذي يوجبه القانون الكندي هو الذي كان يجبره على الالتزام بذلك القانون، وذلك ينسحب على كل المواطنين الأجانب. نعم ألم الحساب يجعل الانسان يفكّر جيداً قبل أن يخالف، والفرق بيننا وبين الدول المتقدمة ليس في وجود القوانين بل في تطبيقها. قد تكون بعض قوانيننا بالية عافها الزمن، ولكن هناك بعض القوانين التي قد يفي تطبيقها ببعض الضبط.
السلطة تتمادى ولم يعد أمام الناس سوى الشارع الذي اختاروه ليكون الساحة التي يصرخوا فيها وجعهم... الساحة ليرفضوا تصفية حسابات السرقة على حسابهم... قرروا النزول إلى الشارع، والشوارع قالت الكثير حول العالم، فإن "الثورة تولد من رحم الأحزان"!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Wednesday, March 27, 2019

السياسيون الطالحون... مدبرو الوطن؟!

كثيرة هي الفضائح التي تطال السياسيين اللبنانيين في الآونة الأخيرة، خصوصاً من يدّعون العفّة منهم. تقارير بالجملة، وثائق ومعطيات تكشف النقاب عن هدر للمال العام، وكل منهم يقذف الطابة في المرمى المناوىء. يتراشقون إعلامياً "أنت فاسد"... "أنت فاسد"؛ يطبّل المناصرون هنا وهناك ويشتمون على مواقع التواصل الاجتماعي، ثم يُسدل الستار على المسرحية!
من يحاسب؟ لا أحد يحاسب! حتى الشعب لا يحاسب، فالسياسيون يتقنون فن إلهائه مرة بلقمة عيشه التي باتت منوطة بتبعيته لهذا الزعيم أو ذاك، ومرة أخرى بشّد العصب الطائفي، وما أسهل نبش القبور في بلد كثرت فيه مقابر الأحياء. 
بمتابعة هذه المسرحية الهزلية في فتح ملفات الفساد والتسيّب المالي في بلد على حافة الانهيار الاقتصادي، تعود إلى ذاكرتي أحداث عايشتها عندما كنت أعمل على تحقيق استقصائي عن الرشاوى في إحدى الدوائر الرسمية اللبنانية. يومها، وفي شهادة حيّة قال لي أحد المهندسين حرفياً "نحن شركاء في الفساد ولو لم نكن شركاء لكنا الآن في بيوتنا نبحث عن عمل"! وعندما قصدت الوزير المعني، عرّاب المسؤول الفاسد، أكد لي أن التسجيل الذي بحوزتي اثبات على الرشاوى، وأذكر وقتها كيف شتم المسؤول لأنه تسبب بإحراجه أمام الإعلام!
للمفارقة، ومع أني وقتها وثّقت الفساد بالصوت والصورة، الا أنه بعد عرض التحقيق تحرّك مجموعة من المهندسين، الذين على ما يبدو شركاء في هذا الفساد ومستفيدين منه، واستنكروا ما ورد من معطيات ليعطوا شهادة نزاهة، شاركهم فيه الوزير، للمسؤول المعني. ومع أن المدعي العام المالي طلب نسخة من التحقيق التلفزيوني للتحقيق بالموضوع، ولا أعرف أصلاً إن حصل ذلك، ولكن المسؤول بقي في منصبه ولم يتغيّر أي شيء، بل على العكس، فعلى حد تعبير أحد المهندسين "بطّلت فارقة معهم... صاروا يرتشوا على عينك يا تاجر". 
للأسف، في لبنان كل شيء يسير بهذه العقلية، من يكون مدعوماً يكون عنده نوع من الحصانة على المحاسبة، بغض النظر عن مسؤولياته أو تبعات مخالفاته. حتى المواطنين، بات كثر منهم يحدثوك بمنطق يفتقد لأدنى شروط المسؤولية الوطنية تحت شعار: "شو بدنا نكون ملكيين أكثر من الملك... اذا المسؤولين وما فارقة معهم أنا بدا تفرق معي"!
اذا نظرنا إلى المشهد العام في هذا البلد، نرى أن السياسيين أشبه بمدبرة منزل مستهترة، لا يهمها أمر المنزل أو نهوضه، كل همّها ما تحصل عليه شخصياً، علانية كبدل خدمة أو سراً في غفلة من صاحب البيت؛ والمواطنون هم أشبه بالأولاد القُصَّر في هذا المنزل، ليس لديهم الوعي الكافي لإدراك خطورة التسيّب، وعندما يُولّى عليهم شخص غير مسؤول، سيجرّون معه المنزل إلى الخراب... كما هو حاصل في هذا الوطن!
الفارق بين المعادلتين أن صاحب أي منزل لديه الخيار والسلطة في التخلي عن خدمات مدبّرة منزل غير مسؤولة، وربما محاسبتها أو بأقل تقدير الاستعانة بأخرى أكثر كفاءة؛ أما نحن كشعب فما في يدنا حيلة، فمدبرو هذا الوطنينصّبون أنفسهم علينا تحت سطوة العاطفة الطائفية، يحملون الشعارات الدينية ليطوعوا الشعب لانتخابهم والدفاع عنهم لاحقاً؛ وتبحث عن أخلاقيات الدين في سلوكياتهم، فتجد الكفر جهاراً!
يقول لي كوان يو: "تنظيف الفساد مثل تنظيف الدرج يبدأ من الأعلى نزولاً للأسفل"، ونحن في هذا البلد وفي الكثير من البلدان العربية، اذا لم نبدأ بتنظيف المؤسسات من الفساد على هذا النحو، ستطمس الأوساخ معالم الدولة وما بقي من هيبتها، كما طمرت النفايات الكثير من شوارعنا في ذلك المشهد المخزي على الشاشات العالمية!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Wednesday, February 6, 2019

الامارات تعرّي تعصبنا

عندما تنظر إلى الإمارات والصورة التي قدمتها في زيارة البابا فرنسيس إليها في أول زيارة لسيّد الفاتيكان إلى الخليج العربي، تشهّد الرقّي في احترام الآخر، الآخر الذي يحمل معتقداً مختلفاً وهوية مختلفة... تشهد الرقي في دولة إسلامية لم تقف عند حدود المعتقد . الديني بل تخطته إلى ما هو أعمق... إلى الانسانية. 
مشهد البابا مع شيخ الأزهر أبعد من الكليشيهات النمطية، مثل صورة الصليب والهلال والكنيسة والجامع؛ هو مشهد من لحم ودم نر فيه أكبر مرجعيتين دينيتين للمسيحيين والمسلمين معاً يقولان للعالم الذي يقود صراعاته باسم الدين، إن الدين هو طريق نختاره بيننا وبين الله، ولكن كبشر يمكن أن يكون بيننا قاسماً مشتركاً، بل قواسم مشتركة. 
كلبنانية، على قدر ما أفرح بهذا الوجه الحضاري للامارات، على قدر ما أحزن أكثر على بلدي، البلد الذي أصبح فيه الدين شمّاعة السياسيين لخدمة مصالحهم الطماعة... أحزن عندما أرى بلداًإسلامياً يحتفي بالبابا ويكرّمه كل هذا التكريم، وبلدي الذي تجمع قراه مختلف الطوائف في بقعة واحدة صغيرة، ويتداخل نسيجه الاجتماعي بكل أطيافه، غارق حتى الاختناق في أتون الطائفية... لا، في بلدي المشكلة ليست في الدين، المشكلة فينا نحن، نحن شعب عاطفي يسهل اقتياده، شعب يبحث عن جناح زعيم يزعم أنه الحامي... وقلة قليلة فيه تتطلع إلى وطن، وهكذا لن يبنى هذا الوطن.
أذكر عندما دخلت الجامعة، المكان التي يبدأ فيه الشباب بممارسة أولى نشاطهم السياسي، قال لي والدي جملة لا تزال عالقة في ذهني: "السياسيون في لبنان بيختلفوا وبيخلفونا وبيتفقوا وما بيخبرونا"... وهذا ما برهنته لي الأيام. نعم كل الأحزاب تبنى على أسس ومبادىء وأخلاقيات، يتماهى معها الشباب كل من موقعه، وهذا جيّد، ولكن للأسف العبرة ليست في الشعارات بل في الممارسات على أرض الواقع. أنهيت دراستي الجامعية وأخذتني تجارب الحياة وخبراتها إلى حقل بناء السلام وحلّ النزاعات، وهناك أدركت حجم الفجوة التي خلقتها السياسة بين الشباب اللبناني، الشباب الذي يقف على متاريس دفاعية للحزب الذي ينتمي اليه، وغالباً لا يتقبّل الآخرالمختلف عنه فقط في السياسة، فالهموم الحياتية تجمعهما، وبقوة. 
ومع الأحداث والتطورات كل مرّة يتلوّن اصطفاف الشباب بحسب تلوّن الاتفاقات أو الخلافات بين الأطراف السياسيين،وبالتالي فالمتحزبون، لأي حزب انتموا، لو مهما كانوا مثقفين ولكنهم في الواقع تابعون لشخص يقودهم، يتحدثون بمنطقه وأفكاره، تذوب شخصياتهم في شخصيه وفي رؤيته وتطلعاته... 
وهكذا يمكننا أن نرى التناقض، لو مهما كان هذا الحزب متقدماً بالفكر، ولكن مواقفه تكون مبنية على معطيات يقيّمها شخص الرئيس، والمناصرون المتحزبون يتبنون. هذا لا يعني أن كل السياسيين على خطأ بالمطلق، فالبعض يطرح معادلات منطقيةوتجد الصواب في ما يقوله لو مهما كان في الواقع متبايناً عنك. الا أن ما بات مزعجاً حقاً، هذه التبعية العمياء للزعماء. وهنا لا أتحدث عن عامة الناس المحكومين بلقمة عيشهم أو بعواطفهم، أتحدث عن النخبة والتي عندما تسمع أفرادها يتحدثون تعجب بثقافتهم ولكن يصدمك تعصبهم عندما يتعلق الأمر بالسياسة.ويصدمك أكثر أنهم مستعدون لنبذك كإنسان، لو مهما كنت تحاكي عقلهم فكرياً، فقط لأنك ترى السياسة من منظار مختلف؛ لا يتقبلون منك اسقاط الهالة القدسية التي يباركون فيها من يتبعون سياسياً. وفي هذه الحال، منطق المحاججة جاهز، أنظري إلى ذاك كم هو فاسد... نعم هو فاسد ولكن اذا كان كذلك فهذا لا يعني أن الضد يظهر حسنه الضد، نحن كشعب وكواعين يفترض أن نتطلع إلى حكم رشيد لبلد ينوء تحت كل أنواع التخبطات.. بلد تتزايد فيه حالات الاصابة بالسرطان بشكل مخيف، ويتفشى تعاطي المخدرات بين شبابه بشكل يدق ناقوس الخطر... وكل ذلك نتيجة للسياسات الفاسدة، السياسات التي تقاتل لمصالحها الشخصية على حساب صحة الناس وحياتهم، السياسيات التي تعبر بكل وقاحة على أرواح المواطنين لتسجّل انتصاراتها ومكاسبها.
هللنا للحكومة الجديدة بعد تسعة أشهر من التجاذبات والخلافات على الحصص، ربحونا جميلاً! حسناً، في الحكومة الجديدة شباب وتمثيل نسائي غير مسبوق وحماس للعمل يعطي جرعة تفاؤل، ولكن بمجرد أن نعود إلى كيف وصل هؤلاء الوزراء، ووفق أي معطيات ومحاصصات، ومن يتبعون ولمن يقولون "أمرك"، نكون أمام الأمر الواقع المتكرر، إن تغيّرت وجوههم ولكنهم في الحقيقةإفراز لنفس الطبقة السياسية التي حكمت البلد بالفساد والهدر والصفقات، وأوصلته إلى الحال المزري الذي هو عليه الآن... فكيف سنثق!
وهنا لا نسأل السياسيين، لأنهم قطعوا مرحلة الحياء وأخلاقيات الاعتراف بمسؤولياتهم بأشواط، نسأل النخبة كيف بعد كل ما فعله هؤلاء السياسيون في لبنان مازلتم تصدقوهم، تتبعوهم وتقاتلون الآخر لأجلهم؟ كيف يمكن أن نحلم بالخروج من هذه المآزق اذا كنا نفتقد لأبسط مقومات الثورة على الواقع... نفتقد للوعي وسلطة المحاسبة!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Sunday, January 20, 2019

قمة من تحت الردم

هل هو من حسن حظ لبنان أو سوء حظه أن قمة اقتصادية عربية تنموية تعقد فيه؟
سؤال محيّر فنحن ندرك أن أي حسن نستجديه في هذه الظروف الجهنمية؟
المشكلة ليست في القمة ولا في توقيت انعقادها، مشكلتنا بل أزمتنا هي في تصدّع بلد صغير، أصغر من أن يحتمل كل هذه التشققات الداخلية.
نعم كشفت القمة عن هشاشة بنية دولة تفوق هشاشة البنى التحتية لبلد عاجز، بلبلته عاصفة الطبيعة.
أغلب رؤساء الدول أحجموا عن الحضور، حسناً ما كان حضورهم سيغيّر أي شيء في المعادلة سوى الشكل،  كالصورة التذكارية للرؤساء، فما كنا ننتظر أن ينهض اقتصادنا من اجتماع عربي بروتوكولي، لن يبدّل أي شيء من الواقع، بل في الحقيقة ما هو سوى عبء مالي على بلد ينوء تحت عجز الديون.
أحجم الرؤساء عن الحضور لحسابات إقليمية، ولكن المضحك المبكي أن مسؤولين داخليين اعتذروا عن الحضور لحسابات "نكايات سياسية"!
حسناً، اذا النصاب غير مكتمل وإلى هذا الحد الداخل مهترىء، لما لم تلغ تلك القمة الباهضة الثمن؟ نعم، لأن انعقادها رغم الفشل هو لتسجيل النقاط السياسية ايضاً!
كل شيء في هذا البلد يسير بهذه الحسابات، حتى بات كملعب كرة القدم، نقطة تسجّل هنا ونقطة هناك، وجمهور متحزّب يهيّص هنا ويشتم هناك... وشعب بين الاثنين، بعض تابع هنا وآخر هناك وشريحة صغيرة تنأى بنفسها عن التبعية وتحاول أن تقاتل وحدَها بسلاح الوعي.
لنعود إلى القمة، أول غيثها مطالبة مسؤول سياسي بعودة سوريا إلى الجامعة العربية، مسؤول في فريق نكّل النظام السوري بشبابه حتى تورّم؛ نسي الماضي برمّته والآن يغازل هذا النظام ليمهّد طرقاً مستقبلية!
الكل يخطط لمستقبل وجوده، أما البلد فلا أحد سائل فيه ولا في شبابه الذين يزدادون بالآلاف على أبواب الطائرات المهاجرة.
ويخرج من رحم العاصفة وزراء يفترض أن يكونوا مسؤولين أمام الشعب ويقولوا "الحق على الدولة"! عفوا ألستم أنتم الدولة؟ عندما يكون هناك موضوع يتعلق بالوجود الطائفي والتوازنات الطائفية يستشرسون في الدفاع عن "حقوق" طوائفهم ويصبح لكل منهم سلطة قادرة أن تعطّل بلد ثمانية أشهر من دون حكومة... والحبل على الجرار! 
وللمفارقة، وليكتمل المشهد المأساوي، أرسل قريب لي يعيش في أميركا وثائقي باللغة الانكليزية، من سبعينيات القرن الماضي، يتغنى بلبنان وسحر جماله من شماله إلى جنوبه، فيلم من حقبة كانت فيها بيروت تضّج بالحياة والازدهار، بيروت التي كتب عنها محمد بن راشد آل مكتوم، في مذكراته: "حلم تردد في ذهني أن تكون دبي كبيروت يوما" ما".
جاء يوم دبي المنشود وباتت تنافس أهم العواصم العالمية، ونحن نصلّي أن يتردّد في ضمير هؤلاء السياسيين المحكمين الخناق على هذا البلد أن يرحموا بيروت ويعيدوها إلى ما كانت عليه في القرن الماضي!

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Friday, November 23, 2018

لأننا نحب هذا الوطن!

"كلنا للوطن للعلا للعلم"... هكذا يبدأ النشيد الوطني اللبناني، ولا تحتاج وقتاً لتعرف الموسيقى التي تُعزّف لهذه الكلمات، ولكن للوهلة الأولى قد تحتاج برهة لتستوعبها رنة تطالعك على الجانب الآخر عند اتصالك بأي رقم هاتف لبناني... هذه المبادرة من شركة الاتصالات MTC بمناسبة عيد الاستقلال جعلتني أقف قليلاً بيني وبين نفسي، أنا التي بت غاضبة على كل شيء في هذا البلد. 

عندما سمعت الموسيقى شعرت بعاطفة وطنية تتسلل إلى داخلي، وأعادتني بالذاكرة بضع سنوات إلى الوراء يوم كنت أعيش خارج لبنان، وقتها قال لي زميل أردني "غريبون أنتم اللبنانيون لو مهما تغربتم، دائماً تفكّرون بالعودة إلى بلدكم وبناء منازل لكم على أرضه". 

نعم، نحن كلبنانيين يُشهد لنا بأننا نحب هذا الوطن. رغم كل المساوىء ورغم أن كثر منّا اختاروا الغربة أو حتى الهجرة لأنهم فقدوا الأمل، وكثر على هذه الخطى؛ إلا أننا لو أينما ذهبنا يبقى في داخلنا ذلك الحنين وذلك التعلّق الفطري بهذه الأرض. ربينا على الحب لهذا البلد الصغير، وفي لا وعينا، نربّي أولادنا كما ربينا نحن. كنا أطفالاً نحتفل بفرح بذكرى الاستقلال واليوم أصبحنا كباراً نعيش نقمة على حالنا، ولكن عيوننا تهلّل للفرح في عيون أطفالنا وهم يحتفلون بهذه الذكرى، سواء من خلال البزات العسكرية الصغيرة التي يرتدونها أو بإنشادهم النشيد الوطني بعفوية براءتهم. 

نعم، نحن شعب عاطفي، ليس فقط كلبنانيين بل كشعب عربي بشكل عام. وهذه إحدى نقاط الضعف التي يبني عليها السياسيون استراتيجياتهم ليسيطروا علينا ويحكمونا رغم فشلهم، على خلاف الشعب الغربي الذي يتعاطى بمنطق العقل والحقوق اجمالاً؛ فمثلاً في دولة عظمى مثل أميركا ترفع مؤسسة إعلامية (CNN) دعوى على رئيس البلاد لما اعتبرته إساءة بحق أحد مراسليها، أما في لبنان فممكن أن تجد جيش إلكتروني من الشباب يدافعون عن سياسي ما بشراسة، علماً أنهم في قرارة أنفسهم قد يكونوا يعرفون أنه على خطأ، ولكن يدافعون عنه لأنهم يحبونه... لأنهم متعلّقون به عاطفياً! 

اذا كان التعلّق العاطفي بالزعماء هو النقطة السوداء التي أدت بنا إلى الهاوية الاقتصادية الاجتماعية والمعيشية التي نغرق بها، إلا أن التعلّق العاطفي بالوطن هو نقطة قوة لأنه يجعلنا نخلق الأمل من العدم ونعطي حافزاً لأنفسنا بأن نعمل ليكون غداً أفضل! 

في كل مناسبة وطنية، نكون في لبنان فريقان، فريق ينغمس عاطفياً بالذكرى حد التطرّف الذي ينسيه الواقع، كالنعامة التي تطمر رأسها في التراب وتقول أنا لا أرى شيئاً، وفريق آخر يتعاطى معها بتهكّم نابع من نقمة سوداوية يعيشها بتطرّف... 

وكلاهما ينتقد الآخر وأحياناً بقسوة جارحة! كلاهما على حق وكلاهما مخطىء... وهنا دور الميزان بين العقل والعاطفة. 

نعم نحن كشعب نحّب هذا الوطن أكثر بكثير من أولئك الذي عبروا فوق عواطف الناس ليصبحوا مؤتمنين على بلد، وأساؤوا لهذه الأمانة. نحن كشعب ليس لدينا سلطة لنغيّر مصير بلدنا، ولكن يمكننا بسلطتنا الصغيرة على يومياتنا أن نبدأ بالتغيير، كل من موقعه. 

حب الوطن ليس في الاحتفالات بالمناسبات الوطنية وإن كانت تدغدغ فينا مشاعر الوطنية؛ حب الوطن يكون بأن نبدأ بأنفسنا بالتغيير حيث نتمكّن، وكلّنا نستطيع أن نفعل شيئاً، لو مهما كان صغيراً مثل أن نفرز نفاياتنا في منازلنا... بالتراكم سنُحدث فرقاً. 

حب الوطن ليس في رفع العلم الذي تتوسطه الأرزة، حب الوطن يكون في زرع هذه الأرزة والحفاظ عليها وعلى المحميات والموارد الطبيعية من التلوّث. 

حب الوطن يبدأ من أصغر تفصيل نعيشه في يومياتنا... شخص واحد لا يستطيع أن يغيّر ولكن الجماعة يمكن أن تغيّر، وكثيراً. حُكم علينا بسياسيين يُمعنون بخراب هذا البلد بعد عَماهم بفساد أنساهم ماذا تعني الوطنية، ولكن لا شيء يبقى على حاله، وحتى يأتي التغيير الحقيقي علينا أن نبدأ بأنفسنا... لأننا نحّب هذا الوطن! 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه

Monday, November 12, 2018

بلد "أمرك نصرالله"

عندما يُقال لنا إن لبنان خاضع لسلطة حزب الله نعترض ونتململ،فمن المهين لنا كلبنانيين أن يكون مصير بلدنا محكوم بفكر ديني أحادي التوجّه، لديه أجندته الخاصة عسكرياً سياسياً وإقليمياً. 

على مدى الأشهر الماضية من محاولات تشكيل الحكومة، وعدا عن تمسّكه بوزارة الصحة، كان حزب الله محايداً والخطاب العلّني للسيد حسن نصرالله هادئاً، وكان التوتر والأخذ والرد محصوراً بالأقطاب السياسية الأساسية والمتنازعة أصلاً على الحصص والحقائب السيادية. 

ولكن النبرة التي خرج السيد حسن نصرالله يتحدّث بها في "يوم الشهيد"، تنبىء بأن منطق القوة الذي ينطلق منه يهمّش فيه أي سلطة أخرى غير سلطته وسلطة حزبه، بما فيها رئاسة الجمهورية. خرج ليقول "لو بدي عطّل تشكيل الحكومة لدّي الجرأة لأقول ذلك وأستطيع"، وفتح نيرانه على بعض الأحزاب السياسية الأساسية، رامياً كرة الحلّ في ملعب السنّة المستقلين. السنة المستقلون الذين لا نذكر أنه سبق وعلّق تشكيل الحكومة عند حصّة لهم في أي من الوزارات السابقة، ولا نعرف من أي خلفية خرج حزب الله ليطالب بحصّة لهم الآن، ويضع رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري تحت الضغط، فحلّ العقدة هذه المرّة مرتبط بتنازل الحريري شخصياً. 

اذا عدنا بضعة أشهر إلى الوراء، تحديداً إلى النتائج التي خرجت بها "المحكمة الدولية الخاصة بلبنان" والتي كانت تحقّق في جريمة اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري وكلّفت الخزينة اللبنانية، العاجزة أصلاً، ملايين الدولارات... اذا عدّنا إلى تعاطي الحريري الإبن مع نتائجها التي تدين حزب الله، كان مستسلماً أكثر من اللازم، وأي مراقب سيعي أن ذلك نابع من خوف ما،ولتوخي عواقب ردود أفعال يعرف سلفاً أنها ستكون وخيمة على البلد. 

نحن كلبنانيين لن يتغيّر علينا شيئاً بين حكومة تصريف أعمال وحكومة جديدة، فالهدر والفساد والصفقات المشبوهة ستبقى هي هي فقط سيتبدّل اللاعبون في كل وزارة، ولكن خطاب السيد نصرالله وضعنا تحت الأمر الواقع وبالفم الملآن، نعم هو من يتحكّم بالبلد ومن منطق سلطة القوة، قوة السلاح بطبيعة الحال. فهذا الحزب الذي لم يعد خافياً على أحد قوته العسكرية والميدانية والتي تفوق القوة العسكرية للدولة اللبنانية، وجّه في 7 أيار 2008 رسالة إلى أي مسؤول تسوّل له نفسه أن يعترض مشاريعه بأن الرد سيكون عنيفاً على شاكلة اجتياح بيروت وترعيّب أهلها. والرسالة وصلت بالعنوان العريض، فمن رفع السقف في الماضي يتحدث الآن بمرونة وبتواضع أكثر من اللازم، والثقل المسيحي أصلاً عقّد حلفاً مع حزب الله، بغض النظر إن كان هذا الحلف يتعدّى المصالح السياسية للطرفين ويلتقي على أي من المبادئ؛فعلى سبيل المثال لا الحصر، من كان شبابه يضربون بالعصي ويُسجنون بسبب النظام السوري، من البديهي أنه لن يكون يصفّق لهذا النظام عن مبدىء وقناعة. أما الرئيس المكلّف فهو أصلاً وضع نفسه بموقف الضعف عندما قرّر التعالي على الجراح والعفو عن الذين أظهرت المحكمة الدولية تورطهم في اغتيال والده، ونتحدث هنا عن كوادر حزب الله، وذلك بحسب كلامه لتغليب مصلحة البلد. 

اذا نحن الآن أمام مأزق أكبر بكثير من تشكيل حكومة شدّ حبال ومحاصصة بين أطراف سياسية تتقاتل بجشع من يأخذ الحصة الأكبر، نحن أمام أمر عسكري يفرضه حزب الله، إما تسير الأمور مثل ما أريد أنا أو الفوضى... فوضى في بلد ما عدنا نستطيع أن نقول إن أي شيء فيه يسير على ما يرام، بلد على حافة الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، بلّد يصّح أن نقول إنه موبوء بيئياً وغذائياً وصحياً. وهكذا قد يكون في العلن، البيئة الحاضنة لحزب الله هي التي تردد "لبيك يا نصرالله"، ولكن في الواقع بلد بأكمله يردّد خاضعاً "أمرك نصرالله"!
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه