Wednesday, July 11, 2012

لا تغرنك النرجيلة فهي أخطر من السجائر



لا تغرنك النرجيلة فهي أخطر من السجائر

نسرين عجب

GMT 14:00:00 2012 الأربعاء 11 يوليو


يعتبر تدخين النرجيلة تقليداً في الدول العربية ومنها لبنان، وينظر اليها عادة أنها أقل خطراً من تدخين السجائر، أقل كلفة وسهلة المتناول، فضلاً عن تسويق مقاهي النرجيلة كبدائل أنيقة ومقبولة اجتماعياً أكثر من المقاهي الليلية.
تدخل المقهى لموافاة أصدقائك بعد يوم طويل من العمل. لا تلبث أن تدخل الى حيث يجلسون حتى تجد نفسك، للوهلة الأولى، عاجزاً عن تمييز الوجوه اذ يلاقيك دخان كثيف يعبق في المكان ويشتّد في أرجاء الزاوية التي أخذوها، تقف لبرهة وتنظر حولك بحثاً عن مكان ليس فيه نرجيلة، ولكن عبثاً تحاول فكل فرد من المجموعة التي يفوق عددها الـ عشرة أشخاص طلب نرجيلته الخاصة وأخذ ينفخ دخانها في المكان المغلق، وللحظات يخيّل اليك أنك دخلت مدخنة. ويستوقفك كيف تدخّن احدى الفتيات نرجيلتها بنهم يعطيك انطباعاً وكأنها تنتقم من شيء ما. وفيما أنت في هذه الحالة من الذهول، يبادرك أحدهم بالسؤال عن النكهة المفضلة لديك ليطلبها لك، ويفاجئه جوابك بأنك لا تدخّن النرجيلة أبداً وحتى يزعجك دخانها، ينظر اليك باستغراب يشعرك وكأنك ارتكبت مخالفة شرعية، ويسألك: "هل يعقل أن لا تكون تدخّن النرجيلة"... نعم فالعقل في مجتمعنا أصبح يقتضي أن نسير في عادات سيئة من دون أن نفكّر ولو للحظة بما قد تكون عواقبها علينا وعلى صحتنا، والا فنحن مصابون بشيء من التخلّف أو ربما الجنون، فتدخين النرجيلة أصبح طقساً مقدّساً حاضراً في كل الأماكن، العامة والخاصة، ويشمل كل الفئات العمرية، بالأخص المراهقين والمراهقات... ومذنب من لا يمارسه.
يعتبر تدخين النرجيلة تقليداً في الدول العربية ومنها لبنان، وينظر اليها عادة أنها أقل خطراً من تدخين السجائر، أقل كلفة وسهلة المتناول، فضلاً عن تسويق مقاهي النرجيلة كبدائل أنيقة ومقبولة اجتماعياً أكثر من المقاهي الليلية.
وتشير الاحصاءات الى أن 100 مليون شخص حول العالم يستخدمون النرجيلة يومياً، غالبيتهم في البلدان النامية، وتسجّل أعلى المعدلات في شمال أفريقيا، الشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا. ويزداد استخدام النرجيلة بين الشباب، ويؤشر المسح العالمي للتبغ بين الشباب(GYTS)الى ارتفاع استخدام النرجيلة في لبنان لعمر 13 الى 15 سنة في المدارس بين 2005 و2010. ويظهر البحث أن أنماط استخدام النرجيلة من قبل الشباب والأطفال يختلف عن نمط استخدام السجائر، فالشباب يبدأون تدخين النرجيلة مع أهلهم وفي المنزل، فمن المقبول اجتماعياً أن يعطي الوالد ولده نفثاً من النرجيلة، وتبغها منكّه عادة مما يجعله مرغوباً، فالرائحة والطعمة الطيبة قد تفسّر لم الناس، وتحديداً الشباب ممن لا يدخنون السجائر، يدخّنون النرجيلة. ويؤكد أصحاب مقاهي النرجيلة أهمية نتيجتها الاجتماعية ولكنّ الباحثين يعتبرون أن هذا الجانب الاجتماعي قد يؤدي الى مستويات عالية من مخاطر التدخين السلبي.
هذه الطفرة في استخدام النرجيلة، خصوصاً في أوساط الشباب ونقص الوعي حيال مخاطرها أثارا النقاش بين أصحاب المصلحة الرئيسين داخل المجتمعات المحلية. وتقول أماندا ساندفورد من "حملة العمل بشأن التدخين والصحة" ان هناك الكثير من الخرافات حول تدخين النرجيلة علماً أنه قد يكون أسوأ من تدخين السجائر. ويبدو أن معظم مدخني النرجيلة غير مدركين المخاطر المرتبطة بتلك العادة وذلك لسلسلة من المفاهيم الخاطئة ومنها:
·       أن محتوى النيكوتين أقل مما هو في السيجارة
·       أن المياه تنقّي السموم
·       أنها أقل ضرراً على الحلق والجهاز التنفسي من تدخين السجائر
·       تنتج نسبة أقل من المواد السامة المسببة للسرطان لأنه يتم تسخين التبغ وليس حرقه
·       اضافة الفاكهة والعسل الى التبغ يجعله صحيّا
الآثار الصحّية
خلافاً للتقاليد والمعتقدات السائدة، فالدخان الذي يخرج من النرجيلة يحتوي على الكثير من المواد السامة التي تؤدي الى سرطان الرئة، أمراض القلب وغيرها من الأمراض، فتدخين النرجيلة يوزّع مخدر النيكوتين الذي يدمن عليه، وهنا كما هو الحال مع باقي منتجات التبغ، يرتبط الاستخدام المتواتر بإقرار المدخنين أنهم مدمنون.
وكل جلسة تدخين نرجيلة قد تعرّض المدّخن لفترة دخان أطول من تدخين السجائر. ويأخذ مدخّنو السجائر عادة 8-12، 40 – 75 ملل نفث خلال 5 – 7 دقائق ويتنشقون 0,5 أو 0,6 ليتر دخان. وبالمقارنة، تستغرق جلسة تدخين النرجيلة عادة 20 – 80 دقيقة، وخلالها ينفث المدخّن 50 – 200 نفث تشمل استنشاق نسبة تتراوح بين 0,15 وليتر من الدخان. وبالتالي قد يستنشق مدخّن النرجيلة خلال جلسة واحدة ما يستنشقه المدخن في 100 سيجارة أو أكثر.
وفي الوقت الذي تمتص المياه بعضاً من النيكوتين، الا أن مدخّن النرجيلة قد يتعرض الى جرعة كافية من هذا المخدّر ليدمن عليه، فكمية النيكوتين كبيرة في التبغ بشكل عام. ويتضّح أن مدخني السجائر يدخنون حتى يحصلوا على كمية النيكوتين التي تشبع حاجتهم وادمانهم، ولكن ليس بالنسبة التي توصل الى الغثيان، ومن المرجّح ان انخفاض تركيز النيكوتين في النرجيلة قد يؤدي بالمدخنين الى استنشاق كميات أكبر من الدخان وبالتالي تعريض أنفسهم لنسب أعلى من المواد الكيماوية المسبّبة للسرطان وللغازات السامة مثل ثاني أوكسيد الكربون مما لو لم يتم امتصاص اي من النيكوتين عبر المياه، وذلك يضع مدخني النرجيلة والمدخنين السلبيين عرضة لنفس الأمراض التي يسببها التدخين بما فيها السرطان وأمراض القلب والجهاز التنفسي فضلاً عن الآثار الضارة أثناء الحمل.
الأسس العلمية واستنتاجات
لم يتم دراسة تدخين النرجيلة بالكثافة التي درس فيها تدخين السجائر، ومع ذلك فالبحوث الأولية على أنماط التدخين، خيمياء الدخّان المستنشق والآثار الصحية تدعم فكرة أن تدخين النرجيلة مرتبط بالعديد من المخاطر مثل تدخين السجائر، وقد يكون يؤدي في الحقيقة الى مخاطر صحية فريدة، وتدعم الأسس العلمية الاستنتاجات التالية:
·       استخدام النرجيلة لتدخين التبغ ليس بديلاً آمناً من تدخين السجائر
·       جلسة ساعة نموذجية من تدخين النرجيلة تتضمن استنشاق 100 – 200 ضعف حجم الدخان المستنشق في سيجارة واحدة.
·       حتى بعد مروره في المياه، فالدخان الذي تنتجه النرجيلة يحتوي على نسب عالية من المركبات السامة، ومن ضمنها أول أوكسيد الكربون، المعادن الثقيلة، والمواد الكيميائية التي تسبب السرطان.
·       يرجّح أن ترفع مصادر الحرارة الشائعة في حرق التبغ مثل الفحم وجمر الخشب المخاطر الصحية، لأن حرق هذه المواد ينتج مواد سامة تشمل مستويات عالية من أول أوكسيد الكربون والمعادن الثقيلة والمواد الكيميائية المسببة للسرطان.
·       المرأة الحامل والجنين معرضان بشكل خاص للخطر عند تعرضهما ارادياً أو اكراهاً لمواد دخان النرجيلة السامة.
·       التدخين السلبي من النرجيلة هو مزيج من دخان التبغ ودخان الوقود وبالتالي يشكل خطراً حقيقياً على غير المدخنين.
·       ليس هناك أي دليل على أن أي وسيلة أو اكسسوار قد يجعل من تدخين النرجيلة آمناً
·       تقاسم داعية النرجيلة يشكّل خطراً جدياً في انتقال الأمراض المعدية مثل السلّ والتهاب الكبّد
بالموازاة مع توصيات المذكرة الاستشارية التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية سنة 2005 هناك حاجة ماسّة للتثقيف حول مخاطر تدخين النرجيلة بما في ذلك المستويات العالية لاحتمال التعرّض السلبي. ويبدو منصفاً افتراض أن حظر التدخين في الأماكن العامة سيؤدي في بعض الأحيان الى تراجع تدخين النرجيلة، خصوصاً في أوساط الشباب. ومع ذلك، تبقى حقيقة أن الأبحاث حول تدخين النرجيلة في مرحلة الطفولة، مسألة مثيرة للقلق اذ هناك نقص في المعلومات حول أنماط الاستخدام، المواقف والخبرات في الاقلاع عنها. وبالتالي، من الصعب على خدمات التوقف عن التدخين تحديد التدخلات المناسبة وتقديم المساعدة لمن يرغبون في الاقلاع عن تدخين النرجيلة. ومن المسلّم به أن هناك حاجة لمزيد من الوثائق والتحليل العلمي قبل انتشار استخدام النرجيلة لفهم آثارها الصحية وتطبيق العلاجات الارشادية المجرّبة.
في المحصّلة، رغم أن كل ممنوع مرغوب، ورغم أن اللبنانيين اعتادوا أن يخالفوا القانون عنوة من دون حسيب أو رقيب، ولكن تبقى الآمال في أن يطبّق القانون 174 الذي يمنع التدخين في الأماكن العامة ويمنع الترويج له، ولا يكون حبراً على ورق، علّه يكون مدخلاً الى الارتقاء بالمجتمع من العبودية لهذا القرص الذي يتموضع الجمر فوقه الى عادات تكون أجدى وأنفع.



Thursday, May 24, 2012

خميس أسود آتٍ!



Print Article
خميس أسود آتٍ!
نسرين عجبGMT 6:00:00 2012 الإثنين 21 مايو
المشهد يعيدنا بالذاكرة الى ذلك الخميس الأسود الذي أشعل البلد بفتيل مغمّس بوقود لا ينضب.. وها الجمر تحت الرماد يتحرّك من جديد ليولع البلد بلمحة بصر. لماذا قدر هذا البلد أن يُرهق كاهله بالغضب والنار وأن يوضع كل يوم وآخر تحت مقصلة فتنة جديدة. أين أنت يا محمود درويش لتصرخ بأعلى صوتك وتقول لهم: "أيَّها الساهرون! أَلم تتعبوا من مُرَاقبةِ الضوءِ في ملحنا ومن وَهَج الوَرْدِ في جُرْحنا أَلم تتعبوا أَيُّها الساهرون؟ واقفون هنا. قاعدون هنا. دائمون هنا. خالدون هنا".

يا أيها العابثون بأمن واستقرار هذا البلد نحن تعبنا ألم تتعبوا ألم تملّوا وتتركوا هذا البلد بسلام.. انه لأصغر من أن يغرق أبناؤه بدمائهم..

ويح لنا لا نتعّلم، وويل لبلد أصبح ككرة نار يتقاذفونها كما يشاؤون وتشعل النيران هنا وهناك.. ويل لنا من ساسة جل ما يفعلوه التغّني بالسيادة والحرية والاستقلال وهم في الواقع لا يفعلون سوى اعتلاء المنابر والخطب بالشعب وتحريضه طائفياً وحقنه بسمومهم. أما نحن، فالويل لنا من شعب لم يتعلّم، ألم نفهم اللعبة بعد؟ ألم نعي أننا أصبحنا كلعبة الدومينو يحركونا بما يتوافق مع مصالحهم وبدل أن ننتفض ونتمرد على مخططاتهم نساعدهم، يثيرون عواطفنا فنغضب على أنفسنا بدل أن نغضب عليهم..
متى يا بلد العيد ستثور وتنفض عنك النار التي زرعوها في قلبك والبواريد التي زنّروا شبابك فيها؟
يا بلد العيد متى!!!!

Thursday, May 3, 2012

أيها اللبنانيون هلّلوا.. الـ BBM تحّل أزمة البلد!



Print Article
أيها اللبنانيون هلّلوا.. الـ BBM تحّل أزمة البلد!
نسرين عجبGMT 6:42:00 2012 الخميس 3 مايو


"تنكة البنزين بـ 40000، ربطة الخبز عاملة ريجيم، لا زودة ولا معاشات، سياسة تجويع الشعب كلو، بس خدمة الـ BBM بـ 2$ بالاسبوع.... ايه البلد بألف خير"... بهذه السخرية عبّرت دايزي عن سخطها عبر الفايسبوك... نعم انه لأمر مستفز أن تكون في عز انتظارك لحل أزمة معيشية تخطّت الأحمر وتصلك رسالة على هاتفك النقّال تنبؤك بأن خدمة الـ BBM عبر هواتف الـ Blackberry أصبحت 8$ في الشهر.. صار بإمكانك أيها اللبناني أن تعيل أطفالك وتعيش برفاهية! هذا بالنسبة للمواطن العادي أما بالنسبة لجماعة الـ BB فهو الخبر السعيد الذي كانوا ينتظرونه.

هذه الجملة وهذا التخفيض أعاداني بالذاكرة الى أول ما انتشرت هواتف البلاك بيري في لبنان، والتي صنعت في الأساس لرجال الأعمال كي يكونوا دائماً في اتصال مباشر مع الانترنت لتخليص أعمالهم.. ولكن في لبنان للاختراعات استخدامات أخرى لا تتوافق مع ما خلقت لأجله بل تتلاءم مع تلك الطبيعة الخاصة للبعض.. الذين للأسف كثر جداً.

لم يكن عندي أي موقف من الـ Blackberry بل على العكس أعجبتني فكرته من منطلق أنه يسهّل عملي اذ أنني بحاجة أن أكون على اتصال دائم تقريباً مع الانترنت، ولكني غيّرت رأيي وحتى اتخذت موقفاً سلبياً منه بعد أن حظيت بنماذج من مستخدمي الـ BB الذين يجعلوك تشعر بالخجل أن تكون منهم، خصوصاً اذا كنت من الأشخاص الذين يشمئزون من "التفاهات".. أول تماس مع هؤلاء كان مع احدى الفتيات التي تكاد لا تبلغ الواحدة والعشرين من عمرها، تعيد سنتها الجامعية وتمضي معظم وقتها خارج الصف، تحدثّك بدلع يثير امتعاضك أنها أوصّت على BB آخر بعد أن سرّق السابق، وأنها ستدفع ثمنه بالتقسيط، فوالدها الذي يقسّط لها سيارة ويدفع أقساط أختها في جامعة خاصة، غير قادر على شراء بديل الـ BB نقداً! وطبعاً تخبرك عن خدمة الـ BBM التي تسمح لها بالتواصل مع أصدقائها طوال الوقت وعن بحثها عن طريقة لدفع بدلها، 40$ في الشهر ليس مبلغاً بسيطاً بالنسبة لها.. بالتأكيد هي الآن سعيدة بالتخفيضيات وتشكّر شركة الهاتف على خدمة العمر!

وهذه الجماعة من عاشقي الـ BB سهل التعرف عليهم، خصوصاً الفتيات منهم، فقد تصادفهم في الشارع وهم يحملون الهاتف النقّال بطريقة بارزة تناديك من بعيد لتقول لك "أنا معي BB"، أو تكاد تصطدم سيارتك بسيارتهم على أحد التقاطعات المكتظة في شوراع بيروت لأن الدردشة عبر الهاتف أهم من قيادة السيارة، أو تكون في مكتب تتراكم فيه الأعمال فيما الموظفون منشغلون بالدردشة عبر الـ BBM وإخبار بعضهم البعض عن نشاطهم عبر الـ BB والصور التي أنزلوها، أو يبرزون لك رقم الـ BB pin عبر كل المواقع الاجتماعية التي تكون على تماس معهم فيها! نعم هذه عينة عن شريحة كبيرة من المجتمع اللبناني، طبعاً لا يجوز التعميم، فهناك شريحة كبيرة من الشباب الواعي الذي عنده اهتمامات أكثر قيمة، ولكن الويل لنا والويل للبنان اذا كانت أولويات الأجيال المقبلة كلها على نسق جماعة الـ BB.. وبلّد رح يتعمّر!


Tuesday, April 3, 2012

ويل لأمة للعمالة فيها جرم مخفّف



Print Article
ويل لأمة للعمالة فيها جرم مخفّف
نسرين عجبGMT 18:35:00 2012 الثلائاء 3 أبريل
منذ مدة قررت أن أعتزل متابعة السياسة، أن آخذ مسافة منها ومن كل ما يحصل علّني أحضى ببعض الهدوء النفسي من كل ما يعكر مزاجي من أخبار باتت كقصة ابريق الزيت، هي هي نفسها كل يوم. أردت أن أنأى بنفسي عن عالمها علّني أستمتع بقسط من الراحة بعد أن فقدت الأمل في أن أسمع شيئاً جديداً غير المناكفات المعهودة بين أرباب السياسة والغلاء غير الطبيعي للمعيشة في بلد يكثر فقراؤه كل يوم أكثر. قطعت اتصالي مع نشرات الأخبار والصحف اليومية وحتى المواقع الاجتماعية التي تجد فيها الكثير من المتبرعين بتقدّيم خدمة الخبر العاجل مجاناً، ومن دون حتى أن تطلبه.

اليوم ومن دون أي قرار مسبق وجدت نفسي أقطع هذه العزلة، مع أني لم أشتاق لما انقطعت عنه عن عمد. فتحت حاسوبي النقّال، ودخلت الى حسابي على الفايسبوك واذا بي أجد سيلاً من التعليقات التي تدين الافراج عن العميد المتقاعد فايز كرم منها "عروضات خاصة للعمداء: اخدم برتبة عميل واحصل على ضعف راتب عميد". مروان ذهب أبعد من ذلك وكتب: "صار فينا ناخد ڤيزا عإسرائيل من السفارة الإسرائيلية بالرابية..
انا شخصياً رح قدّم طلب عالجنسية". أما حسين فكتب: "تعامل مع اسرائيل بس ما تتعامل مع القضايا العربية.. منطق المحكمة في لبنان".. ووسط هذه التعليقات التي تدين القرار بالافراج عن العميد المتقاعد كان تعليق يتيم لصديقة عونية حتى العظم: "إذا كنتم تعتبرون أن إطلاق العميد كرم هو عمل لا شرعي صادر عن محكمة عسكرية لا شرعية فكيف تقبلون أن يكون توقيفه ومحاكمته شرعيين. فأريحونا من غبائكم واصمتوا". استفزتني هذه التعليقات لأعود عن قراري، فالعميد كرم ألقي القبض عليه بجرم التعامل مع العدو الاسرائيلي منذ فترة وجيزة جداً بالمقارنة مع ما يفترض أن تكون عقوبة "عميل".
فتحت موقع البحث "غوغل" كتبت فايز كرم واذا بي أقرأ الخبر اليقين من ووكالة الأنباء المركزية: "أطلق سراح العميد المتقاعد فايز كرم اليوم، من سجن الشرطة العسكرية في الريحانية في محيط وزارة الدفاع بعدما أنهى مدة الحكم الصادر في حقه في جرم التعامل مع إسرائيل، مستفيدا من القانون الأخير الصادر عن المجلس النيابي والمتعلق بتخفيض السنة السجنية الى تسعة اشهر، وصدوره في ملحق الجريدة الرسمية أمس".

بغض النظر لأي تيار سياسي ينتمي العميد كرم، فالتيارات السياسية في لبنان سواء، لا يسعك أن تثق بأي منها، فهي ببساطة تلعب لعبة سياسية، والسياسة لا تعترف بالأخلاقيات التي ينشدها الواهمون، أمثالنا. وبغض النظر عن كل الاعتبارات، ولكن انتابني شعور بالضيق والأسف على بلد أصبحت العمالة فيه أمر عادي تنتهي عقوبته بتسعة أشهر، تماماً كفترة انتظار الأم لمولودها.. عجباً الى أي زمن وصلنا، ونحن اللبنانيون نتباهى أننا تقريباً الدولة الوحيدة التي لم تقم علاقات تطبيع مع العدو الاسرائيلي. عندها استحضرني ما كتبه جبران خليل جبران: "ويل لامة تكثر فيها الطوائف وتخلو من الدين... ويل لامة لا ترفع صوتها الا اذا مشت بجنازة، ولا تفخر الا بالخراب ولا تثور الا وعنقها بين السيف والنطع. ويل لامة سائسها ثعلب، وفيلسوفها مشعوذ، وفنها فن الترقيع والتقليد. ويل لامة تستقبل حاكمها بالتطبيل وتودعه بالصفير، لتستقبل آخر بالتطبيل والتزمير. ويل لامة حكماؤها خرس من وقر السنين ورجالها الأشداء في أقمطة السرير. ويل لامة مقسمة الى أـجزاء وكل جزء يحسب نفسه أمة".

عندها خالجني شعور بالسأم.. سئمت من هذا البلد الذي بات كل شيء فيه مركب حسب ما تقتضيه المصالح، من بلد كثر فيه الطباخين حتى "شاطت" طبخته، وكثر الفاخوريين الذين يركبون أذن الجرة كما يريدون.. سئمت أن أرى الشباب ينقادون خلف الساسة كقطيع غنم مسيّر عندما يقول لهم الراعي امشوا يمشون.. توقفوا يتوفقون.. انحنوا ينحنون... سئمت.

Tuesday, February 28, 2012

رسالة مبصرة من غير مبصرين!



Print Article
رسالة مبصرة من غير مبصرين!
نسرين عجبGMT 2:34:00 2012 الإثنين 27 فبراير

لم يلحظ وجودي عندما دخل، بادرته بالتحية معرّفة بنفسي رفع رأسه ورحّب بي بابتسامة لطيفة، كانت عيناي تراقبانه وهو يتلمس طريقه حتى يصل الى حيث أقف ومن ثم الى قاعة الاجتماعات حيث بدأنا الحديث.
جعلني للحظات أنسى أن الله أعطاني نعمة البصر فكرّست أذني لتسمعه وتمنيت للحظات أن لا تكون عيناي قادرتين على رؤية ملامح عينيه اللتان لا تتحركان، عيناه التائهتان في عالمه الخاص، العالم الذي مهما حاولنا أن ندخل اليه استعصى علينا لأنه ببساطة غير ملموس مادياً ولا حتى بالرؤية فهو عالم الشعور والأحاسيس التي كل منا يعاينها من زاويته ومنظاره الخاص. حسناً أصبح من المسلّم به أن الجلوس معه مختلف.. نعم الشعور في حضوره وكلامه مختلفاً عن الباقين، فهو الضعيف القوي بالنسبة لي.. أنا المبصرة.
في سياق الحديث ذكرت أمامه سني خبرتي وقال لي ليس ظاهر عليك وابتسم.. ابتسمت وفي داخلي غصة، وكأن اللاوعي الذي في داخلي ابتسم كي لا يريه الانفعال الحقيقي الذي تولّد.. أردت أن ترى عينيه ابتسامتي كي لا يشعر بأني أشفق عليه.. فلا يحّق لي أن أشفق عليه فكم من مبصر لا يبصر وكم من فاقد بصره مبصراً.. وكثيراً جداً!
وفي اليوم التالي، وضعني القدر مجدداً مع حالة مشابهة في ورشة عمل حول دور المرأة في الحوار الاسلامي المسيحي. كان حضوره مميزاً بسعة ثقافته وعمق أفكاره مما خلق حافزاً في داخلي بالرغبة بالتعرف اليه أكثر، سمعه قلبي قبل أن تسمعه أذناي، ولا أدري ما الذي كان يدفعني الى النظر اليه ومجدداً الابتسام وكأني أريد أن أقول له ولو لم يراني أني أحترمه وأحترم عزمه على المضي قدماً رغم أن هناك ما يعيقه.. صودف أن مكاني كان الى جانبه خلال معظم جلسات الورشة، كنت أرى بعداً عميقاً في نظرته للأمور، كنت أسمعه فقط لأني كنت أستمتع الاستماع مع أنه كان في داخلي ازدحام من الأفكار والاسئلة التي تحركت في داخلي حشرية معرفة الاجابة عنها ولكني لم أقوى على سؤاله. أردت أن أسأله من أين يجلب هذه القوة، ولكني تحفظت، لم أجرؤ أن أسأله كيف يكون شعوره عندما يحدّثه أحد عن غير قصد عن شيء جميل رآه... لم أجرؤ... وفي اليوم الأخير من ورشة العمل، اقتربت منه لأودعه وما أن تلفظت بأول كلمة حتى عرفني من صوتي وأنا بالكاد تحدثت اليه قبل أربعة أيام، وفيما أخذتني الدهشة ودّعني بحفاوة على أمل اللقاء مجدداً.
لا أعرف لما وما الرسالة التي تريد أن توصلها لي الحياة بأن تضعني على مدى يومين متتالين على تماس مع شخصين فقدا حاسة البصر.. ففي الوقت الذي كان ينتابني شعور بالضيق من أمر واقع أصبحنا نعيشه في هذا البلد، كنت أرى الحياة والحماس في عيونهما المغلقة على العالم مما استوقفني لأفكّر الى أي مدى نحن المبصرون مبصرين لقيمة ما نملك مقارنة مع أخرين فقدوا هذه النعمة.
رجلان... كاملا العقل والثقافة جعلاني أصغي اليهما بكل حواسي أنظر اليهما بكل عناية واهتمام.. أتفاعل معهما بشكل طبيعي جداً وفي داخلي احساس قوي أنهما يشعران بذلك علماً أنهما عملياً غير قادرين على رؤيتي أو تمييز شكلي... لا أدري ما الرسالة التي أرادت الحياة أن توصلها لي من خلالهما خصوصاً أن يوماً واحداً فقط كان الفاصل بين لقائي بكل منهما.
استوقفني شدة اهتمامي بهما وضيقي، والذين قد يكونا نابعين من سببين، الأول مرده انساني أني أمام شخص غير قادر على رؤيتي أو رؤية العالم من حولي وحوله رغم أن في داخله الكثير من الجواهر القيمة التي يتخطى بها المبصرين تقنياً، والثاني لأنهما أشعراني بضعفي فأنا أستطيع أن أبصر العالم من حولي وليس هناك ما يعيقني بمفهوم الاعاقة ولكني في أحيان كثيرة أشعر أني مكبّلة ومقيّدة وهناك الكثير الكثير مما يجعلني معوّقة في بلد فقد معظم شبابه الأمل منه.
أردت أن أسألهما كيف يشعران في بلد لا يُحترم فيه الانسان، لا سالماً ولا معوقاً، واذا كانوا أقوياء فعلاً أم أن القوة التي نراها في عيونهم المطفأة ما هي الا ردة فعل عكسية على مشاعر ملتهبة مختزنة في الأعماق. أردت أن أسألهما ما هي أمنيتهما في الحياة أن يستعيدوا بصرهما وتتراجع عيونهم عن بياضها أم أن الحال الذي آل اليه لبنان يجعلهم غير عابئين بما حل بهم وأمنياتهم تتعداهم الى أمنيات أكبر، أمنيات أصبحت بالنسبة لنا من المستحيلات تحت الشمس؟


Wednesday, November 30, 2011

الربيع العربي تحت مجهّر الشباب: هنا سأحقق أحلامي



Print Article
من تونس إلى سوريا... ثورات يافعة ومن المبكر تقييمها 
الربيع العربي تحت مجهّر الشباب: هنا سأحقق أحلامي
نسرين عجبGMT 14:00:00 2011 الأربعاء 30 نوفمبر
متظاهرون يلوحون بأعلام دول شملها الربيع العربي

 من تونس الى سوريا، تعمّ حالة من الغليان الشارع العربيّ الذي إن لم ينجح بـ"إسقاط النظام" في بعض الدول إلا أنّه تمكّن من كسر جدار الصمت. أمّا الشباب العربيّ، فتقييمه للثورات متباين بين الإيجابي والذي يرى أنّ الثورة كسرت الرتابة في الحياة السياسيّة، والمنطقي الذي يعتبر من المبكر تقييمها لأنّها لاتزال في مرحلة الطفولة... "فالأمر ليس في استبدال أشخاص وإنما في تغيير وتطوير أنظمة الحكم".



بيروت: ينظر اليك ومن ثم ينظر حوله، ترى الحرص في مقلتيه رغم تحدثه بصوت منخفض، وبعد دردشة بسيطة يثير حفيظته تنقّل البعض في الرواق فيطلب اليك الانتقال من صالون الفندق الى غرفة مغلقة ويتأكد من اغلاق الباب جيداً حتى لا يسمعه أحد. تلاحظ تفكيره المطوّل بكل كلمة قبل أن ينطق بها، خصوصاً عندما تسأله عن تفاصيل الوضع في سوريا، فيبدو واضحاً للعيان أن الخوف من النظام السوري يلاحق رائد (اسم مستعار لمحلّل سوري يعتبر نفسه محايداً) الى لبنان. ويؤكد ذلك بالقول: "المواطن السوري لايزال يشعر أنه غير قادر على التحدث عن النظام واذا فعل فالثمن كبير وممكن أن يكون حياته"، فالنظام الذي أرهب السوريين واللبنانيين لعقود لم يسقط بعد كما سقطت أنظمة أخرى كأوراق الخريف في انتفاضات شعبية قررت أن تقول للاستبداد كفى.
قالت كفى بروح ثورة بل ثورات لم تكن وليدة الصدفة بل كانت نتيجة تراكمات تخبىء نفسها كالجمر تحت الرماد الى أن جاء محمد بو عزيزي، البائع التونسي المتجول ليشعل شرارتها الأولى... فانكسر جدار الصمت وكرّت السبحة، والشرارة تحوّلت الى كوة من النار صعبة الاحكام انتشرت كالنار في الهشيم بين الدول العربية التي عافها فساد أنظمتها وتسلطها... فكان الربيع العربي.
من تونس الى سوريا، وخلال فترة لا تزيد عن سنة، عمّت حالة غليان الشارع الذي رفع بأعلى صوته "الشعب يريد اسقاط النظام"... ونجح في بعض الدول فسقط طغاة أبشع سقوط، فلم تكن ليبيا مثلاً تحلم أن تطوى صفحة العقيد معمّر القذافي لولا ثورة بهذا الحجم، والحال مشابه في باقي الدول. أما في لبنان، فالقصة كانت مختلفة، فأبناؤه اعتادوا النزول الى الشارع وان كانت الساحة قسّمتهم أكثر مما جمعتهم، فقصة لبنان مع التغيير أعمق من الاطاحة بطاغية، فالطاغية ليس شخصاً بل هو نظام طائفي متجذر فكانت مظاهرات "الشعب يريد اسقاط النظام الطائفي".
علي الطالب (كاتب وباحث سعودي) ثورات تحت المجهر
كيف يرى الشباب العربي هذه الثورات وما هو تقييمه لها؟ 
يعتبر علي الطالب (كاتب وباحث سعودي) أنه ليس مفاجئاً أن تأتي الثورات العربية كنتيجة طبيعة لإرهاصات تاريخية متراكمة، بيد أن التوقيت ربما يكون فيه شيء من المفاجأة، إضافة لتوالي الثورات وتوالي سقوط الأنظمة كأحجار لعبة الـ"دومينو"، مما يؤشر ليس إلى هشاشة الأنظمة العربية فحسب، بل الى أنها لم تكن تمتلك الثقة في قدرتها على إدارة الأزمة بصورة أفضل. وهذه الثورات ساهمت بشكل أو بآخر في كسر حالة الرتابة السياسية الطويلة الأمد وخلقت تماوجا وحالة من الحياة التفاعلية الاجتماعية بين كافة المجتمعات في مختلف البلدان.
أما عن تقييمه للثورات فيرى علي أنه من المبكر الحكم على نتائجها اذ أنها لم تأخذ دورتها الطبيعة والكاملة. ويشرح أن ما حصل لا يعني بالضرورة أن ربيع الثورات العربية حقق ما يمكن أن تحقّقه الثورات في صورتها المثالية، فقد يمتعض البعض منها، ليس كرهاً، بل لما تحدثه من اختلال للتوازن على مختلف مفاصل الحياة؛ فيكون المواطن هو المتضرر الأول والأخير، خصوصاً إذا ما دخلت الثورة في حالة من التحدي بين المحكومين والحاكم، فيعمد هذا الأخير الى العمل بكل ما أوتي من حيل لأجل إطالة فترة بقاءه في السلطة، بالتالي ينعكس ذلك سلبا على حياة الناس باستهدافهم في معيشتهم واستقرارهم، مما يخلق لديهم حالة من الانطفاء وانسداد الأفق، فيترك فيهم شيئا من التردد والحيرة؛ إما الذهاب إلى المجهول مع الثورة، وإما القناعة بالواقع مع طبيعة النظام السياسي.
يوافقه الرأي أكرم خليل (صحافي وباحث اقتصادي مصري) الذي يعتبر أنه لا يمكن تقييم الثورة لأنها حتى في مصر أو ليبيا لاتزال في مرحلة الطفولة. ويعلّق: "الموضوع ليس استبدال أشخاص وإنما تغيير وتطوير نظام حكم بطريقة جذرية بما يحقق الديموقراطية وفي نفس الوقت يضمن حقوق الانسان". ويتوقف عند تقييم ثورة كل بلد معتبراً أن الثورة فى تونس كانت ملهمة لباقى الثورات، ولكن تجربتها فى النضوج بدأت بعد اكتمال مرحلة الانتخابات. أما الثورة في مصر فكانت رائدة فى نتائجها (في البداية) كما أنها كانت مفخرة لكل العالم اذ أنها أثمرت كشف حقائق كان يتم التعتيم عليها اعلامياً، ولكنها لاتزال فى مرحلة الحضانة بسبب ما يعوّقها. ويعتبر أنه يمكن القول ان الموجة الثانية من الثورة تفجرت بعد 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011، ويخشى الكثيرون تعثر الثورة أو سقوط مزيد من الضحايا والمصابين في صفوف المصريين. أما الثورة فى ليبيا، وبالرغم من رحيل القدافي، إلا أنها تجربة جديدة على الشعب الليبي وينبغي أن يستوعب الدروس من الثورات السابقة. وفي اليمن وسوريا لاتزال الثورة مستمرة.
اختلاف في بيئة الثورات
انفجرت الثورات ولكن كيف كان انعكاسها على البلد الذي اشتعلت فيها وعلى المنطقة بشكل عام؟
 يجد علي أن هناك اختلافاً في طبيعة البيئة التي خرجت منها الثورة (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً)، فضلا عن موقع كل بلد من حيث الصورة الجيو استراتيجية، فكلما كان حدث الثورات على مقربة جغرافية من فلسطين كل ما زادت الأهمية. ويرى أن في بلد مثل تونس ونتيجة للتركيبة السكانية، وما يتمتع به شعبه من دينامية سياسية خالية من التعقيد، فضلا عن موقعه الجغرافي ومكانته الأقل في مضمار السياسية الاستراتيجية، كل ذلك ساهم في رفع مستوى الضبط، وسرعة التموضع والنزوع للاستقرار السهل، فتونس اليوم تجاوزت مرحلة اختلال التوازن على عكس بعض البلدان الأخرى مثل اليمن أو مصر أو سوريا. ومن وجهة نظره فالثورة في مصر ستأخذ مسافة زمنية أكثر من غيرها لكي تحقق أهدافها المنشودة، الا أنها ونظرا للثقل الاستراتيجي الذي تتمتع به لن يقتصر أثر الثورة فيها على الصعيد الداخلي بل سيتعداه الى الخارجي إن لم يكن عابرا للقارات. مازن أبو حمدان (من منظمي تحرك اسقاط النظام الطائفي في لبنان)
بالنسبة اليه، يعتبر أكرم أن الايجابي في مصر يتمثل في تنفّس الحرية وانقشاع الخوف بعد هذه الفترة الطويلة، وتعرّف كل مواطن على حقوقه. أما السلبي فيكمن في غياب القائد، ومع أن ذلك كان نقطة قوة في الثورة المصرية إلا أنه الآن يمثّل النقطة الأضعف فبعد تخلي الرئيس السابق عن الحكم ظهرت المطالب الفئوية، وبدأت بعض الجماعات الانتهازية بالبحث عن نصيبها في الوليمة (مصر) وذلك على حساب دم الضحايا والمصابين. 
 الطائفية أسقطت إسقاط النظام الطائفي
وسط الجلبة التي أحدثتها الثورات العربية في المنطقة، يبدو حراك اسقاط النظام الطائفي في لبنان هزيلاً، وأتت نتائجه لتكرّس تعسّر تحققه لاعتبارات أكبر من الشباب الذين آمنوا به. وفي هذا الصدد، يقول عاصم البعيني ان التحركات في لبنان وصلت ذروتها بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري سنة 2005، أما الآن فهناك نوع من اليأس لدى شريحة واسعة كما أن الهم المعيشي يطغى على ما عداه.
ويشرح مازن أبو حمدان الذي كان من منظّمي تحرّك اسقاط النظام الطائفي: "أنا كنت من أكبر الداعمين للدوافع التي سيّرت التحرك ولكني أعتقد أني فشلت في التخطيط استراتيجياً أو حتى في فهم الشروط السياسية والاجتماعية في لبنان. في المختصر أعتقد أنه كان عندي الكثير من الغضب والحماس والقليل من الحكمة والبصيرة والتخطيط". ويعتبر أن الغضب نجح في الدول الأخرى الى حد ما لأنه كان هناك انقساماً أفقياً بين السلطة والشعب، بين الظالم والمظلوم، وكان كل ما على المظلومين فعله التكتل وتقرير الانسحاب الجماعي من طاعة السلطة، فسقط الحكام المستبدون، ولكن هذه ليست القضية في لبنان حيث الانقسام عامودي وليس أفقي "لدينا طوائف عدة يترأس كل منها قائد وتنظر الى الطوائف الأخرى كعدو".
أمل مشرفيةويشير الى ما أظهرته دراسة حديثة أجرتها منظمة اليونسيف وتبيّن أن 11 في المئة فقط من الشباب اللبناني يعرّفون عن أنفسهم كعلمانيين أو لا طائفيين، معلّلاً عدم توسّع التحرك بأنه لم يتجاوز هؤلاء، "ففي لبنان هناك توازن هش من انعدام الثقة بين الطوائف، فأي تحركات مفاجئة بشعارات غامضة مثل "اسقاط النظام الطائفي" لا يستحسنها أولئك الذين يخافون الطوائف الأخرى"، لافتاً الى أنه كان يفترض استبداله بشعار آخر كالتغيير.
وتوافقه الرأي أمل مشرّفية التي تعتبر أن خصوصية لبنان هي الطائفية بحد ذاتها، وهي التي تحميه من قيام ثورة فعلية جامعة، وبالتالي اقتصر الأمر على تحركات تكاد تكون فردية ما لبثت أن توقفت لأنها لم تكن جدية ولم تكن جامعة ولم تكن واضحة المعالم، خصوصاً عندما بات من "داعميها" من هم رموز الطائفية في لبنان وذلك لأسباب سياسية بالطبع، وحسابات خاصة.
 أما ماهر أبو شقرا (أحد الناشطين في العمل المباشر وفي حراك اسقاط النظام في لبنان) فوجهة نظره مغايرة اذ يعتبر أن خصوصية لبنان هي في أن سلطته دكتاتورية ذكية تتناقض فيما بينها فتحوّل أنظار الشعب عن قضاياه المحقة كالقضايا المعيشية والاجتماعية باتجاه قضايا صراعات سياسية طائفية قد تبدو جذرية، لكنها في الواقع لا تخدم إلا السلطة المسيطرة في لبنان. أما عن تحرّك اسقاط النظام، فبالنسبة اليه كانت المسألة بالغة الوضوح ولم يكن أحد من الناشطين يتوهّم بأن النظام اللبناني سيسقط بين ليلة وضحاها، فالعمل التراكمي هو المطلوب، وما حراك إسقاط النظام إلا إطلاق الصرخة الأولى بوجه النظام اللبناني الذي لم يجر على لبنان إلا الحروب والويلات والفقر والتهجير وتدمير الأقليات الثقافية.ماهر ابو شقرا ويعتبر أنها كانت تجربة إيجابية من عدة نواح أبرزها أنها خلقت نقاشاً وخطاباً سياسياً بعيداً عن نقاش ثنائي السلطة في لبنان: 8 و14 آذار وبالتالي رفعت مستوى النقاش السياسي وأسست لمرحلة جديدة، كما أنها عرّفت العديد من الناشطين إلى بعضهم البعض وبالتالي عززت التواصل في خدمة قضية تستحق التضحية.
"سأبقى هنا... وهنا سأحقق أحلامي"
يراقب الشباب ويقيّمون ولكن كيف يرون غدهم وسط كل هذه التغيّرات التي عمّت الأقطار العربية؟يعتبر علي أنه بالرغم من هاجس القلق والخشية الذي يجتاح البعض، نتيجة لما يحدث من حالة اختلال للتوازن للتركيبة الاجتماعية وللدول، وما ينجم عنها من فوضى وانفلات، الأمر الذي يسبب تراجعًا ملحوظًا على مقومات الحياة الاقتصادية، بيد أنه لا سبيل إلا الى التفاؤل بحالة الحراك الشعبي التي أضافت للحياة حيوية بعد انكسار شيء من الرتابة السياسية القاتلة.
على نفس الخطى يمشي أكرم، فهو متفائل أيضاً في غد عربي مزهر، ويعتبر أن ذلك يتوقف على طول وقصر المرحلة الانتقالية، ومدى سيطرة المطالب الفئوية والجماعات التى تبحث عن نصيب أكبر فى الوليمة.
أما لبنانياً فالبعض متفائل والبعض متشائم، من جهته، يقول عاصم انه غير متفائل لا بل متشائم لأن الوطن ككيان إلى مزيد من التداعي ومزيد من الربط مع القضايا الإقليمية الساخنة. وتشاطره الرأي أمل التي ترى أن المستقبل محدود وغير واضح المعالم، وبالنسبة اليها التشائم سيد الموقف، والأسباب أكثر من أن تعد أو تحصى!
يخالفهما الرأي ماهر الذي يؤكد تفاؤله في ظل مسيرة طويلة وعمل تراكمي باتجاه خلق حالة قادرة على التغيير الجذري، معتبراً أن لا حل في لبنان إلا بنظام علماني ديمقراطي والا سيستمر الوضع الحالي... حرب كل 15 سنة. ويذهب مازن أبعد من ذلك فيقول: "سأبقى هنا، وأنا مقتنع أنني أستطيع تحقيق أهدافي هنا، لست متفائلاً ولا متشائماً، فالمتفائل هو مغفّل سعيد والمتشائم مغفّل حزين وأنا واقعي. أتفهّم لماذا الأمور على ما هي عليه وما يجب فعله للتغيير، أتفهّم حجم العقبات ولكني أرى أيضاً كبر الامكانات ولكن كل ما علينا فعله العمل بطريقة صحيحة".

إغلاق النافذة

Monday, November 7, 2011

"مش برمانة القلوب مليانة"


Print Article

"مش برمانة القلوب مليانة"

نسرين عجبGMT 6:37:00 2011 الإثنين 7 نوفمبر

"مش برمانة القلوب مليانة"... مثل شعبي لبناني يطرح نفسه واقعاً عندما تحصل مشاكل بين طرفين أو أكثر، وكثيراً ما لامسنا ونلامس هذا الواقع في لبنان، فمثلاً صوت دراجة نارية قد يؤدي الى اشتباك بالرصاص بين جيران في الحي أو المنطقة أو المدينة... وكلمة قد تشعل حرباً كلامية بين طرفين متناقضين عملياً..

وهكذا تصبح الأمور الصغيرة فتيلة لمشاكل قد لا تحمد عقباها وتكون النتيجة أبشع مما قد يكون يتصور الطرفين واذا عادا الى جذور المسألة لتوصلا انها لا تستحق ما أودت اليه، ولكن الثورة تكون نتيجة تراكمات عند الطرفين اجتمعت وتراكمت حتى أصبحت بركاناً مشتعلاً يطلق حممه المحرقة في وجه الآخر وعندها تشتعل "الحرب" مهما اقترب الواقع أو ابتعد عن مفهوم الحرب بمعناها الواسع... وعندما يهدأ البركان ربما يسأل كل منهما عن الأسباب الجوهرية لهذه الثورة... ربما يجد وربما لا يجد ولكن تكون الواقعة قد وقعت.

والرمانة والقلوب الملآنة ليست فقط بين أشخاص تجمعهم اللامودة، فقد تكون ايضاً بين صديقين أو حتى حبيبين تراكمت أموراً صغيرة بينهما وبدأت تكبر مع الوقت وتتراكم الى أن يأت سبب قد يكون تافهاً للغاية ليفجّر البركان... والبحر يتسع للكثير ولكن قطرة واحدة قد تجعله يفيض... تعصف العاصفة يقول كل منهما كل ما يقوى عليه قلبه المعشش بالغضب من الطرف الآخر الذي يعتبر أنه غض الطرف عنه كثيراً وسكت على أمور كثيرة حتى باتت الأمور لا تحتمل... فيفرّغ ما عنده، قد يكون مؤدباً ولكن الغضب لا يعرف ان يكون لطيفاً مهما انخفض صوته وانخفضت حدة نبرته، والغضب الهادىء يكون أحياناً أشد وقعاً من الغضب المتفجّر لأنه يختار الكلمات التي قد تكون أكثر تهذيباً ولكنها تجرح أكثر... وفي هذه المعركة يكون الصمت سيف ذو حدّين فمن جهة يجنّب الشخص ندامات على اشياء لا يفترض أن يقولها ولكن يسوقه الى ندامات على اشياء كان يجب أن يقولها... وبين الاثنين، وبين الغاضب والأقل غضباً لا بد أن تنتهي العاصفة مهما أخذت وقتاً ولكن في النهاية يبقى أثرها وهو ذلك الشيء الذي انكسر بين الطرفين... وكل ما كبرت القسوة كل ما اتسع الكسر وكل ما بدأت نهاية العلاقات بين الناس فالزجاج الذي يكسّر، مهما كان الكسر صغيراً، لا يمكن أن يرمّم أبداً.

كم زجاج يكسّر مع تقدمنا في الحياة والخبرات... وكم زجاج يتحوّل الى فتات يستحيل جمعه.. ومع كل كسر جديد تخّف الثقة ويقوى الحذر بين الناس فتغيب العفوية ويصبح كل شيء مقنّن ومضبوط والا... ويسألون لماذا يخسر الطفل براءته عندما يكبر رغم أنها أجمل ما فيه! يخسرها لأنها كثيابه الصغيرة التي لا تعود تتسع له عندما يكبّر.. يخسرها لأنها ببساطة حصراً به قبل أن يخوض غمار الحياة.

http://elaph.com/Web/opinion/2011/11/694295.html